استثمارات الحبتور تغادر لبنان… ضربة ثلاثية للسياحة والاستثمارات وسوق العمل


ليبانون ديبايت
في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد إنهاء نشاط استثماري، أعلنت مجموعة الحبتور الإماراتية، في بيان صدر أمس الإثنين، قرار مجلس إدارتها المضي قدماً في بيع جميع أصولها واستثماراتها في لبنان، بما يشمل الفنادق والعقارات التجارية والسكنية والأراضي وسائر الممتلكات التابعة لها.
ويأتي القرار استكمالاً لإعلان المجموعة، في 28 كانون الثاني 2026، وقف عملياتها في لبنان، بعد مسيرة استثمارية بدأت أواخر تسعينيات القرن الماضي، وتوسعت عام 2001 مع افتتاح فندق “متروبوليتان بالاس بيروت”، أول فنادق المجموعة في لبنان.
وتضم استثمارات المجموعة في لبنان فندقَي “الحبتور غراند بيروت” و”متروبوليتان بالاس بيروت”، إلى جانب مركز تجاري ومشروع “حبتور لاند” الترفيهي، فضلاً عن عقارات تجارية وسكنية وأراضٍ واستثمارات عقارية أخرى، إضافة إلى أموال مودعة في القطاع المصرفي اللبناني.
وكانت المجموعة قد أعلنت في كانون الثاني 2024 أن حجم استثماراتها في لبنان بلغ نحو مليار دولار، فيما كشفت في كانون الثاني 2026 عن خسائر وأضرار مالية تقول إنها تجاوزت 1.7 مليار دولار، على خلفية الأزمة المالية والمصرفية والظروف التي أحاطت باستثماراتها في البلاد.
الحبتور بين كبار المستثمرين الإماراتيين في لبنان
وتبرز أهمية استثمارات مجموعة الحبتور عند مقارنتها بالحضور الاستثماري الإماراتي الأوسع في لبنان. فبحسب تقرير “مناخ الاستثمار في الدول العربية 2015” الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات “ضمان”، احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى بين الدول المستثمرة في مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة في لبنان، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني 2003 حتى أيار 2015، مع 53 مشروعاً نفذتها 44 شركة، بكلفة إجمالية بلغت نحو 7.3 مليارات دولار.
واللافت أن مجموعة الحبتور حلّت في المرتبة السابعة بين أكبر عشر شركات أجنبية مستثمرة في لبنان، والخامسة بين الشركات الإماراتية الواردة في القائمة، مع مشروعين بلغت كلفتهما الاستثمارية المقدّرة 541 مليون دولار.
وتقدّمت على الحبتور أربع مجموعات إماراتية، هي بنك دبي الإسلامي باستثمارات بلغت 1.926 مليار دولار، ومجموعة ماجد الفطيم بنحو 1.494 مليار دولار، وبيت أبوظبي للاستثمار بقيمة 760 مليون دولار، ومجموعة روتانا للفنادق بنحو 685 مليون دولار.
وفي سياق أوسع، تشير البيانات الرسمية المنشورة لدى وزارة الخارجية الإماراتية إلى أن قيمة الاستثمارات الإماراتية المباشرة في لبنان بلغت نحو 7.8 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من عام 2003 حتى عام 2016، ما يعكس حجم الحضور التاريخي لرأس المال الإماراتي في الاقتصاد اللبناني.
وتبقى هذه الأرقام مؤشرات تاريخية تعكس حجم المشاريع والاستثمارات خلال الفترات التي تغطيها التقارير، ولا تعبّر بالضرورة عن قيمتها السوقية الحالية.
لبنان… الوجهة العربية الوحيدة لاستثمارات الحبتور الفندقية خارج الإمارات
ولم يكن لبنان مجرد وجهة استثمارية عادية بالنسبة إلى مجموعة الحبتور، بل شكّل الدولة العربية الوحيدة خارج الإمارات التي ضمّت استثمارات فندقية للمجموعة، بحسب موقعها الإلكتروني الرسمي، إلى جانب حضورها الفندقي في دول عالمية، بينها المملكة المتحدة والنمسا والمجر والولايات المتحدة الأميركية.
وتمنح هذه الخصوصية قرار التخارج من لبنان بُعداً إضافياً، إذ يعني خسارة المجموعة حضورها الفندقي في السوق العربية الوحيدة التي اختارت الاستثمار فيها خارج موطنها الإماراتي.
ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على قيمتها المالية، بل تتعداها إلى ما كانت توفره من بنية تحتية سياحية متكاملة، ولا سيما في مجال سياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض الدولية.
فقد تميّز فندقا “الحبتور غراند” و”متروبوليتان بالاس” بارتباطهما عبر جسر مخصص للمشاة يمتد على نحو 160 متراً، ما أتاح التنقل المباشر بين الفندقين والاستفادة من مرافقهما ضمن مجمّع فندقي واحد.
كما يضم “الحبتور غراند” قاعة الإمارات، التي تُعدّ من أكبر قاعات المؤتمرات والمناسبات في لبنان، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 3 آلاف شخص، مع إمكانية تقسيمها إلى أربع قاعات مستقلة، فضلاً عن 12 قاعة اجتماعات مجهّزة لاستضافة اللقاءات والمؤتمرات والفعاليات الاقتصادية.
أما فندق “متروبوليتان بالاس”، فتتيح مرافقه استضافة اجتماعات وفعاليات تصل طاقتها الاستيعابية إلى 800 شخص، إلى جانب المطاعم والمرافق الترفيهية والخدمات الفندقية. ويضم “الحبتور غراند” أيضاً مركزاً صحياً يمتد على مساحة 3500 متر مربع.
وجعلت هذه الميزات من المجمّع وجهة مؤهلة لاستقطاب المؤتمرات والوفود التجارية وفعاليات الشركات والمعارض والمناسبات الكبرى، بما يربط النشاط الفندقي بقطاعات اقتصادية أخرى، من المطاعم والتجارة إلى النقل وتنظيم المؤتمرات والخدمات.
أرقام رسمية تكشف حجم الاستثمارات
وتعكس الأرقام الرسمية حجم القيمة الاقتصادية لهذه الاستثمارات في لبنان. فبحسب البيانات المنشورة لدى المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان “إيدال”، بلغت قيمة الاستثمار المسجّلة لمشروع “متروبوليتان سيتي سنتر”، المرتبط بمجمّع الحبتور غراند، نحو 143.4 مليون دولار، على مساحة مبنية تبلغ 103,577 متراً مربعاً.
ووفق بطاقة المشروع الرسمية المنشورة لدى “إيدال”، ساهم المشروع في توفير 250 فرصة عمل مباشرة و375 فرصة عمل غير مباشرة، بعدما حصل على الموافقة عام 2003، قبل أن يبدأ تشغيله عام 2005.
أما مشروع “حبتور لاند” الترفيهي في منطقة الجمهور، الذي يمتد على مساحة نحو 107 آلاف متر مربع، فقد بلغت قيمته الاستثمارية المسجّلة 27.5 مليون دولار، مع تقديرات بتوفير 222 فرصة عمل مباشرة و333 فرصة عمل غير مباشرة، وفق البيانات الرسمية المنشورة لدى “إيدال”.
إلا أن المشروع متوقف عن العمل منذ سنوات، ما يجعل هذه الأرقام مؤشرات تاريخية لحجم الاستثمار وفرص العمل المرتبطة به، وليست أرقاماً عن الوظائف القائمة حالياً أو المعرّضة للخسارة نتيجة قرار البيع.
الأشقر: القرار يطاول أكثر من 500 عائلة
ولعل أهمية استثمارات الحبتور بالنسبة إلى القطاع السياحي اللبناني تتجلّى في الموقف الذي عبّر عنه رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر، في كتاب مفتوح وجّهه إلى خلف الحبتور في 18 شباط 2026، عقب إعلان المجموعة وقف عملياتها في لبنان.
فقد ناشد الأشقر الحبتور العدول عن قراره، محذّراً من أن إقفال مؤسساته، وفي مقدمها فندقا “الحبتور” و”متروبوليتان”، لا يقتصر تأثيره على المنشآت السياحية وحدها، بل يطاول أكثر من 500 عائلة لبنانية تعتمد في معيشتها على هذه المؤسسات، بحسب ما ورد في الكتاب.
ولم يحصر الأشقر تداعيات القرار بالشق الاجتماعي وفرص العمل، بل اعتبر أنه يطاول أيضاً صورة لبنان الاستثمارية ويُضعف ثقة المستثمرين الذين لا يزالون يفكرون بالبقاء فيه، مشدداً على أن استمرار المجموعة في لبنان، ولو ضمن شروط جديدة أو خطة مرحلية، من شأنه أن يحمل رسالة ثقة بإمكانات البلد وقدرته على النهوض.
البواب: التأثير الاقتصادي لقرار “الحبتور” حصل سابقاً
في المقابل، اعتبر رئيس تجمع الشركات اللبنانية الدكتور باسم البواب، في حديث خاص لموقع “ليبانون ديبايت”، أن قرار مجموعة الحبتور بيع أصولها في لبنان لن تكون له تداعيات اقتصادية كبيرة في المرحلة الحالية، موضحاً أن معظم استثمارات المجموعة، التي شملت الفنادق والسياحة والعقارات والمشاريع الترفيهية والمطاعم، كانت متوقفة عن العمل منذ سنوات عدة.
وأشار البواب إلى أن التأثير الاقتصادي لإقفال هذه المؤسسات حصل فعلياً منذ سنوات، وبالتالي فإن قرار بيع الأصول اليوم لن يُحدث تأثيراً إضافياً كبيراً على الاقتصاد اللبناني، لا سيما أن النشاط الاقتصادي والتشغيلي لهذه الاستثمارات كان قد تراجع أو توقف في مراحل سابقة.
وشدّد البواب على أن قرار مجموعة الحبتور هو قرار فردي يخصّ المجموعة، ولا يمكن اعتباره مؤشراً إلى تراجع جاذبية لبنان الاستثمارية أو عاملاً سلبياً يحول دون استقطاب مستثمرين جدد.
وفي هذا الإطار، أشار إلى وجود معلومات عن رغبة مستثمرين إماراتيين في الاستمرار باستثماراتهم في لبنان، مؤكداً أن قرار مجموعة واحدة لا يعكس بالضرورة توجهات المستثمرين الإماراتيين تجاه السوق اللبنانية.
وبين تحذيرات القطاع السياحي من خسارة استثمارات بهذا الحجم، واعتبار أن معظم تأثيرها الاقتصادي حصل بالفعل نتيجة توقف أنشطتها منذ سنوات، يبقى السؤال الأساسي: هل يشكّل بيع أصول الحبتور خسارة استثمارية جديدة للبنان، أم فرصة لإعادة تشغيل منشآت قائمة في حال انتقال ملكيتها إلى مستثمرين جدد؟
والأهم: هل يمكن للسوق اللبنانية أن تستقطب رساميل جديدة تعيد إلى هذه المنشآت دورها في السياحة والأعمال وتوليد فرص العمل، أم أن قرار مجموعة الحبتور سيكون مؤشراً إضافياً إلى التحديات التي تواجه المستثمرين الأجانب في لبنان؟




