منوعات

نتنياهو أم آيزنكوت… ماذا ينتظر لبنان بعد إقفال صناديق الاقتراع الإسرائيلية؟

من الخطأ التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها مجرد منافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت على رئاسة الحكومة. فبالنسبة إلى لبنان، يتجاوز السؤال هوية الفائز إلى طبيعة السياسة العسكرية والأمنية التي ستُعتمد بعد الانتخابات، وما إذا كانت الحدود الجنوبية ستشهد مرحلة تفاوض مختلفة أم استمراراً للواقع القائم.

وتكشف استطلاعات الرأي الأخيرة حجم التعقيد الذي يواجه تشكيل الحكومة المقبلة. فبينما أظهرت بعض الاستطلاعات تقدماً للقوى المعارضة لنتنياهو، منحت استطلاعات أخرى معسكره نتائج أفضل، في ظل انقسام داخل المعارضة نفسها وصعوبة بناء أكثرية برلمانية متجانسة.

هذا التباين لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل بطبيعة التحالفات الممكنة، لأن حصول القوى المعارضة مجتمعة على عدد كبير من المقاعد لا يعني بالضرورة قدرتها على الاتفاق على برنامج حكومي واحد، خصوصاً في القضايا الأمنية والعلاقة مع الأحزاب العربية.

أما لبنان، فيقف أمام ثلاثة مسارات تستحق المتابعة.

المسار الأول يتمثل في استمرار نتنياهو على رأس الحكومة، وما قد يعنيه ذلك من استمرار المقاربة الإسرائيلية المعروفة تجاه حزب الله، القائمة على الربط بين أمن الشمال الإسرائيلي ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، مع إبقاء الضغط العسكري جزءاً من أدوات إدارة الملف اللبناني.

والمسار الثاني يرتبط بوصول ائتلاف يقوده آيزنكوت أو شخصية معارضة أخرى. وفي هذه الحالة، لا يمكن افتراض أن إسرائيل ستتراجع تلقائياً عن مطالبها الأمنية، خصوصاً أن آيزنكوت قاد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية سابقاً، وأن جزءاً كبيراً من المعارضة لا يطرح خلافه مع نتنياهو على أساس التخلي عن الردع العسكري، بل حول طريقة إدارة الدولة والحرب والقرارات الاستراتيجية.

أما المسار الثالث، فيتمثل في تعثر تشكيل الحكومة، وهو احتمال تفرضه طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي وتوازنات الأحزاب. وفي هذه الحالة، يمكن أن يستمر تصريف الأعمال والقرارات الأمنية من خلال الحكومة القائمة، فيما تتأخر بلورة سياسة جديدة تجاه لبنان والمنطقة.

لكن أهمية هذه المسارات تتضح أكثر عند ربطها بالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.

فلبنان يتمسك بوقف الأعمال العسكرية والانسحاب الإسرائيلي، في حين تتمحور المطالب الإسرائيلية حول الضمانات الأمنية ومنع حزب الله من إعادة بناء قدراته. وهذه المسائل لا تُحسم بمجرد تغيير رئيس الحكومة، بل تحتاج إلى اتفاقات وضمانات وآليات تنفيذ.

ويضاف إلى ذلك العامل الأميركي، الذي يحتل موقعاً أساسياً في إدارة الاتصالات بين بيروت وتل أبيب. فأي حكومة إسرائيلية ستضطر إلى تحديد علاقتها بالمسار الدبلوماسي الذي ترعاه واشنطن، ومدى استعدادها للفصل بين الملف اللبناني والتصعيد الإقليمي المرتبط بإيران.

وفي هذا السياق، تصبح هوية وزير الدفاع المقبل، وتشكيلة المجلس الوزاري الأمني المصغر، وموقف الأحزاب المشاركة في الحكومة من الانسحاب والمفاوضات، مؤشرات أكثر أهمية من اسم رئيس الحكومة وحده.

والأمر نفسه ينطبق على موقف إسرائيل من الجيش اللبناني واليونيفيل، إذ إن أي اتفاق مستقبلي سيحتاج إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تطبيق الإجراءات الأمنية، وطبيعة الرقابة، والضمانات المتبادلة.

لذلك، فإن انتهاء الاقتراع لن يعني انتهاء الغموض بالنسبة إلى لبنان. فقد تظهر صورة أولية لتوزيع المقاعد مساء اليوم، لكن تحديد الاتجاه السياسي والعسكري الفعلي يحتاج إلى معرفة الائتلاف الذي سيتمكن من الحكم.

وفي المحصلة، لا يقف لبنان أمام سؤال بسيط عنوانه بقاء نتنياهو أو رحيله، بل أمام سؤال أكبر: هل تُفتح بعد الانتخابات نافذة لتفاهم أمني يوقف المواجهة على الحدود، أم تستمر إسرائيل في إدارة الملف اللبناني من خلال الجمع بين التفاوض والضغط العسكري؟

الإجابة لن تأتي من صناديق الاقتراع وحدها، بل من القرارات الأولى للحكومة التي ستولد بعدها.

المصدر: ليبانون ديبايت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى