العرض القطري يتقدم: هل تنعش الأسعار التنافسية قطاع الكهرباء؟


خضر حسان – المدن
يتنقّل ملفّ المساعدة القطرية للبنان في مجال الكهرباء من مرحلة إلى أخرى. فبعد الإعلان عن نية المساعدة في بناء معامل جديدة، وصل الملفّ إلى مناقشة تفاصيل التنفيذ والتمويل وتوفير الغاز والحصول على أسعار تنافسية أقل من تلك المعتمدة في الدول المحيطة، الأمر الذي يتيح للبنان تحقيق هامش ربح أعلى عند بيع الكهرباء للمواطنين. ولمزيد من الدفع الإيجابي للملفّ، سافر وزير الطاقة جو الصدّي إلى قطر لمتابعة الموضوع.
إلاّ أنّ تساؤلات جوهرية لا تزال تبحث عن إجابات، أهمّها تلك التي تدور حول قدرة الأسعار التنافسية على تشكيل أرضية خصبة لإنقاذ قطاع الكهرباء. فضلاً عن قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على مواكبة النقلة المنتظرة في الإنتاج، عبر تحسين أوضاعها الإدارية والفنية. بالإضافة إلى كيفية تحسين صورة لبنان بوصفه سوقاً جاذبة للأموال والاستثمارات، وهو ما تعمل عليه وزارة المالية، بالتوازي مع عمل وزارة الطاقة على متابعة الدعم القطري. وبالتالي، هل يفقد الدعم القطري جزءاً من أهدافه بفعل التعقيدات المتعلّقة بالواقع اللبناني وواقع مؤسسة الكهرباء؟
تطوّر المبادرة القطرية
في منتصف تشرين الأول الماضي، ظهرت تفاصيل البرنامج القطري للاستثمار في قطاع الكهرباء، عبر إنشاء محطتين للإنتاج، في دير عمار والزهراني، بقدرة 825 ميغاواطاً لكل منهما، أي ما مجموعه 1650 ميغاواطاً. فضلاً عن الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة وتوريد الغاز الطبيعي المسال (LNG) بموجب عقد طويل الأجل يمتد عشرين عاماً، وإنشاء بنية تحتية لاستيراده وإعادة تغويزه. إلى جانب الاستثمار في إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواطاً، وأنظمة لتخزين الكهرباء بالبطاريات، فضلاً عن استجرار الكهرباء من سوريا، على أن يبدأ ذلك بنحو 300 ميغاواط. ومع نهاية الشهر، كان الملفّ قد شهد 3 اجتماعات، اثنان في بيروت والثالث في قطر، فيما يُعقد الرابع في قطر، ولهذا الغرض سافر الصدّي إلى الدوحة يوم الخميس. ومن المتوقع أن يزور وفد قطري بيروت الأسبوع المقبل، على أن يتوجّه بعدها بأيام رئيس الحكومة نواف سلام والصدّي إلى الدوحة لتوقيع الاتفاق. على أنّ المشروع سيُطرَح وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، بحيث تتولى الجهات القطرية التمويل والإنشاء والتشغيل، من دون أن تضطر الخزينة اللبنانية إلى تأمين استثمارات أولية.
لكن ذلك لا يعني أن الكهرباء ستكون مجانية، أو أن لبنان لن يتحمل بتاتاً أي أعباء مالية، إذ سيبقى عليه دفع ثمن الغاز المستورد وكلفة التشغيل والطاقة التي سيشتريها، وذلك عن طريق ما سيدفعه المواطنون، فضلاً عن الالتزامات التي ستحددها العقود النهائية. وهذه النقطة أساسية في تقييم المشروع، لأن نقل كلفة الاستثمار الأولية إلى القطاع الخاص لا يلغي مسؤولية الدولة عن تأمين القدرة على الدفع.
وإذا جاءت أسعار الغاز تنافسية، وشُغّلت المعامل بكفاءة، فقد تنخفض كلفة إنتاج الكيلوواط مقارنة بالاعتماد على الفيول أو المازوت. ويمكن عندها أن تتوافر لمؤسسة كهرباء لبنان فرصة لبيع الكهرباء بتعرفة تغطي كلفة الإنتاج والتشغيل، وربما تحقق فائضاً يساعدها على صيانة الشبكة وتطويرها. لكن هذا الاحتمال ليس نتيجة تلقائية لانخفاض سعر الغاز، إذ ينبغي احتساب كلفة الاستيراد وإعادة التغويز والنقل والتوزيع والصيانة والتمويل، فضلاً عن الهدر في الشبكة. ولا يتحقق أي فائض مالي إذا بقيت الجباية ضعيفة أو كانت التعرفة أقل من الكلفة الإجمالية.
الإصلاحات شرط المستثمرين
ولا يمكن فصل المفاوضات مع قطر عن المسار الموازي مع المؤسسات المالية الدولية. وفي السياق، بحث وزير المالية ياسين جابر، يوم الأربعاء الماضي، مع وفد من مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة لمجموعة البنك الدولي، وبمشاركة مدير مكتب البنك الدولي في بيروت، المشروع القطري وأهمية ربط زيادة الإنتاج بالإصلاحات في مؤسسة كهرباء لبنان، ولا سيما في التوزيع والجباية وضبط الهدر وتحسين الإدارة. وشدّد جابر على أنّ زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي، وأنّ نجاح أي استثمار جديد يرتبط بقدرة المؤسسة على تحصيل مستحقاتها وتأمين إيراداتها من دون العودة إلى تحميل الخزينة أعباء إضافية.
وهذا ما يضع الإصلاحات في صلب المشروع، فالمستثمرون يحتاجون إلى ضمانات واضحة لتحصيل مستحقاتهم، وآليات دفع مستقرة، وبيئة قانونية وإدارية تحدّ من المخاطر السياسية والمالية. كما أنّ معالجة الهدر الفني وغير الفني، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتفعيل الهيئة الناظمة، وإعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان، تشكّل شروطاً أساسية لجعل القطاع قابلاً للاستثمار والاستدامة. وتكشف الوقائع أنّ الأزمة ليست تقنية أو مرتبطة بنقص الإنتاج فقط، فالمؤسسة تعاني أيضاً من ضعف الجباية، ومن تراكم مستحقات على الإدارات والمؤسسات العامة، ومن أعباء الإعفاءات والأضرار التي لحقت بالشبكة في الجنوب.
يبدو العرض القطري فرصة جدية لإعادة بناء قطاع الكهرباء، لا سيما إذا اقترن بتأمين الغاز بأسعار تنافسية واستثمارات لا تتطلب إنفاقاً أولياً من الخزينة. لكنه لا يشكّل وحده حلاً للأزمة. فالتحدي الحقيقي سيكون في قدرة الدولة على تحويل هذا العرض إلى عقود قابلة للتنفيذ، وفي استعدادها لإجراء الإصلاحات التي تجعل مؤسسة كهرباء لبنان قادرة على الإنتاج والبيع والتحصيل وتسديد التزاماتها. عندها فقط يمكن أن تتحول الكهرباء من عبء مزمن على المالية العامة إلى قطاع قادر على تغطية نفقاته وتمويل جزء من تطويره. على أنّ مباشرة تنفيذ المشروع القطري في وقت قريب، ورغم كل التعقيدات، يُفترض أن تحرّك الجمود في القطاع.




