
“ليبانون ديبايت”-سمر يموت
لم تعد المولّدات في لبنان حلاً موقتاً لسدّ ساعات انقطاع الكهرباء، بل تحوّلت مع مرور السنوات إلى خدمة شبه إلزامية وفاتورة ثابتة تحجز لنفسها حصة من دخل العائلة مع بداية كل شهر. وفي بلد لا تزال فيه كهرباء الدولة عاجزة عن تأمين تغذية متواصلة، يجد اللبناني نفسه أمام فاتورتين لتأمين خدمة واحدة: واحدة لكهرباء الدولة وأخرى للمولد، قبل أن تبدأ لائحة طويلة من الاستحقاقات، من مياه الصهاريج التي يضطر إلى شرائها بصورة شبه مستمرة، إلى فواتير الهاتف والطعام ومصاريف الحياة اليومية.
لعلّ شهر أيلول من أكثر الأشهر ثقلاً على الأهالي. ففيه تلتحق بتلك الفواتير أعباء العام الدراسي، من الأقساط إلى الكتب والقرطاسية والنقل، فتتزاحم كلها على راتب واحد. وبين فاتورة لا يمكن الاستغناء عنها وأخرى لا تحتمل التأجيل، يحاول الزوجان تقاسم أعباء المنزل وتوزيع الدخل على الأولويات، فيما يُرحّل ما يمكن ترحيله إلى راتب الشهر المقبل.
في قلب هذه الدوامة، تبرز فاتورة المولد كواحدة من أثقل الأعباء. وبين ارتفاع فعلي في كلفة إنتاج الكهرباء، وشكاوى من تجاوز التسعيرة الرسمية وغياب العدادات في بعض المناطق، بات السؤال لا يقتصر على حجم الفاتورة، بل يمتد إلى كيفية احتسابها ومدى التزام أصحاب المولدات بالقواعد المفروضة عليهم.
من 100 إلى 150 دولاراً
“أم محمد” واحدة ممن ينتظرون فاتورة المولد بقلق. تشكو في حديثها لـ “ليبانون ديبايت” إن صاحب المولد طلب منها مطلع هذا الشهر 150 دولاراً مقابل اشتراك 5 أمبير يؤمّن 14 ساعة تغذية يومياً، بعدما كانت تدفع نحو 100 دولار في الشهر السابق.
لا تملك تلك العائلة خيار الاستغناء عن اشتراك المولّد، إذ لا تصل كهرباء الدولة إلى منطقتها سوى أربع ساعات يومياً. وهكذا، تجد نفسها مضطرة إلى دفع فاتورتين للكهرباء، من دون أن تحصل في المقابل على تغذية متواصلة على مدار الساعة، حتى إنها لا تشعر بالرضا عن “كهرباء الاشتراك”، التي لا تمكّنها، وفق قولها، من تشغيل أكثر من البراد والمروحة والإنارة.
دوام ليلي لدفع الفواتير
أما “ربيع”، وهو أب لعائلة من خمسة أفراد، فيقول إن فاتورة المولد لديه ارتفعت من 350 دولاراً إلى 450 دولاراً، ما اضطره إلى زيادة ساعات عمله واللجوء إلى دوام ليلي لتغطية مصاريف المنزل. ويضيف أن العمل الإضافي يرهقه، لكنه لم يعد يملك ترف الاختيار. فاثنان من أولاده على مقاعد الدراسة، ومعهما أقساط وكتب وقرطاسية، فيما تستمر بقية مصاريف المنزل من كهرباء ومياه وطعام واتصالات. ويعين “ربيع” ابنه البكر في تحمّل جزء من الأعباء والمساهمة في مصاريف إخوته، بعدما بات دخل واحد، وفق قوله، عاجزاً عن تغطية كل المتطلبات.
وإذا كانت فاتورة ربيع قد بلغت 450 دولاراً، فإنها بذلك تفوق وحدها الحد الأدنى الرسمي للأجور في لبنان، المحدد بـ28 مليون ليرة شهرياً، أي ما يعادل نحو 313 دولاراً وفق سعر الصرف المتداول. وهي مفارقة تختصر حجم العبء: فاتورة المولد وحدها قد تتجاوز راتباً شهرياً كاملاً بالحد الأدنى.
العدّاد غائب… والفاتورة “مقطوعة”
لكن ارتفاع الكلفة ليس وحده ما يشكو منه المواطنون. ففي عدد من المناطق، ولا سيما في العاصمة بيروت، يتحدث مشتركون عن استمرار بعض أصحاب المولدات في فرض مبالغ شهرية مقطوعة بحسب عدد الأمبيرات، من دون تركيب العدادات التي تسمح باحتساب الاستهلاك الفعلي.
ويقول أحد المشتركين إن صاحب المولد في منطقته يحدد المبلغ المطلوب شهرياً، بصرف النظر عن حجم استهلاك الأسرة: “سواء وفّرنا في الكهرباء أم لم نوفّر، الفاتورة نفسها. وإذا لم يناسبنا السعر، ما البديل؟”.
هنا تظهر مفارقة بين منطقة وأخرى. ففي حي يلتزم صاحب المولد بالعداد والتسعيرة الرسمية، يدفع المشترك في حي آخر مبلغاً مقطوعاً، رغم أن القواعد يفترض أن تكون واحدة.
على الجهة الأخرى، لا يعني وجود العداد أن القلق من الفاتورة قد اختفى. فمع ارتفاع سعر الكيلوواط، بات بعض المشتركين يراقبون استهلاكهم ساعة بساعة، ويجرون تقنينهم الخاص حتى عندما تكون الكهرباء متوافرة.
تخفيف الاستهلاك والأولوية للمساء
ويقول “إيلي”، الذي يدفع وفق العداد، إن عائلته غيّرت عاداتها خلال الأشهر الأخيرة. فالمكيف لا يعمل طوال الوقت، والأجهزة التي تستهلك كمية كبيرة من الكهرباء لا تُشغّل معاً، فيما يجري تخفيف الاستهلاك خلال النهار قدر الإمكان للاحتفاظ بهامش يسمح باستخدام الكهرباء ليلاً.
ويضيف أن أفراد العائلة باتوا يسألون بعضهم بعضاً قبل تشغيل المكيف أو سخان المياه، ويتأكدون من إطفاء الأجهزة والإنارة في الغرف غير المستخدمة. “لدينا كهرباء، لكننا نتعامل معها وكأنها غير متوافرة. نستطيع تشغيل المكيف، لكننا نفكر أولاً في الفاتورة التي ستأتي آخر الشهر”.
ويقول إن الأولوية ليلاً تصبح للإنارة والتبريد، خصوصاً في أيام الحر، فيما يؤجَّل تشغيل بعض الأجهزة إلى ساعات وصول كهرباء الدولة متى أمكن.
الكلفة ارتفعت 35 بالمئة
لكن تحميل أصحاب المولدات جميعاً مسؤولية ارتفاع الفواتير لا يعكس الصورة كاملة. فحتى الملتزمون بالعداد والتعرفة الرسمية واجهوا ارتفاعاً في كلفة التشغيل، وفي مقدمها المازوت. ويقول “أبو علي”، وهو صاحب مولد يؤكد التزامه بالعدادات والتسعيرة الرسمية، إن ارتفاع الفاتورة لا يعني بالضرورة أن صاحب المولد أضاف مبالغ من عنده، مشيراً إلى أن كلفة المازوت ارتفعت، إلى جانب نفقات الصيانة والزيوت وقطع الغيار والعمال.
ويضيف: “هناك فرق بين فاتورة ترتفع لأن سعر الكيلوواط الذي تحدده الدولة ارتفع، وأخرى ترتفع لأن صاحب المولد يفرض مبالغ إضافية. نحن نلتزم بالعداد والتسعيرة، والمشترك يدفع بحسب استهلاكه”.
تؤكد الأرقام ارتفاع كلفة التشغيل. فقد ارتفع سعر صفيحة المازوت من نحو مليون و780 ألف ليرة في 7 تموز إلى نحو مليونين و399 ألف ليرة في 21 آب، أي بنحو 35 في المئة. وانعكس ذلك على التسعيرة الرسمية للمولدات، إذ ارتفع سعر الكيلوواط/ساعة في المناطق الساحلية والمكتظة من 40,746 ليرة في تموز إلى 48,241 ليرة في آب، أي بأكثر من 18 في المئة.
وفيما أقرت الدولة خلال اجتماع السراي في 4 أيلول بارتفاع كلفة التشغيل، شددت على أن ذلك لا يبرر تجاوز التسعيرة أو فرض رسوم إضافية أو الامتناع عن تركيب العدادات.
وبالتوازي، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة، في إطار حملتها على المولدات المخالفة، تسطير 58 محضر ضبط وتنفيذ 43 عملية حجز ومصادرة.
وبين ارتفاع مشروع في الكلفة ومخالفات لا يبررها غلاء المازوت، يبقى المواطن أمام الحساب الأصعب، خصوصاً في أيلول، حين تتزاحم فاتورة المولد مع فاتورة كهرباء الدولة والمياه والطعام والأقساط والكتب والقرطاسية والنقل، كلها على دخل عائلي واحد.
فكرة نيوز