حين يُصبح الترفيه رفاهية.. مطاعمٌ ممتلئة وجيوبٌ فارغة

“ليبانون ديبايت”-سمر يموت

لم يعد الترفيه بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، أمراً عادياً يسهل اقتطاعه من ميزانية الأسرة. فبعد تأمين نفقات السكن والطعام والكهرباء والطبابة، تصبح نزهة عائلية أو وجبة في مطعم أو يوم على البحر من الكماليات التي قد تُختصر أو تُستبدل بخيارات أقل كلفة، وقد تُلغى بالكامل.

ومع “شوبات” الصيف، قد تبدو تمضية يوم على الشاطئ أو في أحد المنتجعات البحرية خياراً مثالياً للترفيه والهروب من الحرّ، لكن لعائلة لبنانية مؤلفة من أربعة أو خمسة أشخاص، قد تتحوّل ساعات قليلة على البحر إلى فاتورة تُثقل كاهلها.

تبدأ أسعار الدخول الى المسابح الأقل كلفة (خارج العاصمة) بنحو 15 دولار، وتتراوح في عدد كبير من المسابح الأخرى بين 25 و40 دولاراً، فيما تصل إلى 50 أو 60 دولاراً للشخص في بعض الفنادق والمنتجعات المعروفة خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع.

العائلة تنقسم لتوفّر

لكنّ هذه الأرقام لا تبقى مجرد أسعار على لوائح الدخول، بل تنعكس مباشرة على خيارات العائلات وطريقة تمضيتها عطلتها. وهذا ما دفع “أبو هادي” الى اعتماد حلّ غير مألوف، عندما قرّر تمضية يوم على المسبح مع عائلته. فبعدما تبيّن له أن رسم الدخول إلى أحد المسابح في منطقة خلدة يبلغ ما بين 20 و25 دولاراً للشخص (حسب العمر)، قرّر تقسيم العائلة إلى مجموعتين: إذ اصطحب اثنين من أولاده، فيما طلب من ولديه الباقيين تمضية اليوم مع والدتهما في منزل الجدّة.

يقول الوالد إن دخول ثلاثة أشخاص الى المسبح كلّفه 65 دولاراً، أضف إليها بعض الطعام والمشروبات التي اضطر إلى شرائها من داخل المسبح لأن “إدخال الطعام ممنوع”، لترتفع كلفة اليوم الصيفي الواحد إلى ما بين 100 و120 دولاراً. وفي الأسبوع التالي، يمكن أن تتكرر الكلفة نفسها مع بقية أفراد الأسرة.

المشكلة بالنسبة إلى “أبو هادي” ليست في “ضهرة” يوم واحد، بل في مجموع ما يُنفقه على الترفيه خلال الشهر وهو أقلّ ما يجب أن ينعم به أي مواطن عادي يعمل بكدّ. فكلفة يومان على المسبح وغداء واحد في مطعم قد توازي، أكثر من نصف راتبه الشهري، ولذلك بات يعتمد “المداورة” بين أولاده بدلاً من خروج العائلة مجتمعة.

مرّة في الشهر

لا تختلف حسابات أم رامي، وهي والدة لثلاثة أطفال، كثيراً. فبعدما كانت تحاول تخصيص يوماً أسبوعياً للخروج مع أولادها، باتت اليوم تختار يوماً في الشهر بين المسبح والمطعم أو أي نشاط آخر، بعدما أصبح الجمع بينها في شهرٍ واحد مكلفاً. لذلك، فهي اتجهت إلى خيارات أقل كلفة، كالشاطئ العام أو الجبل أو زيارة الأقارب، معتبرة أنّ “الترفيه أصبح بنداً يأتي بعد تسديد الالتزامات الأساسية، إذا بقي شيء من الراتب نخرج، وإذا لم يبقَ نُلغي الطلعة”.

أكثر من 150دولاراً في اليوم

بحسبة بسيطة، تحتاج عائلة مؤلّفة من أربعة أشخاص، حتى عند اختيار مسبح منخفض أو متوسط السعر، إلى نحو 80 دولاراً للدخول في المسابح المنخفضة السعر، وما لا يقل عن 40 دولاراً لوجبات بسيطة، ونحو 5 دولارات لشراء مياه الشرب، إضافة إلى 20 دولاراً للبنزين أو المواصلات، أي أن كلفة اليوم تبدأ من نحو 125 وقد تصل إلى 150 دولاراً.

أما في المنتجعات الأعلى سعراً، فقد تبلغ رسوم الدخول وحدها 200 دولار للعائلة الرباعية، إذا كان سعر البطاقة 50 دولاراً للشخص. ومع الطعام والمشروبات والمواصلات ومستلزمات كريمات الحماية وغيرها، يمكن أن تصل الفاتورة إلى 400 دولار، بحسب المكان ومستوى الإنفاق.

لا تقف كلفة الترفيه عند المسابح وحدها. فتناول الغداء في مطعم، أو حضور حفلة موسيقية، أو ممارسة نشاط سياحي، يضيف أعباء أخرى إلى ميزانية الأسرة، ما يجعل السؤال في موسم سياحي تبدو فيه المطاعم والمنتجعات مكتظة، من هم القادرون على تحمّل هذه الأسعار؟

كلفة التشغيل ارتفعت
يعزو أحد أصحاب المنتجعات السياحية ارتفاع الأسعار إلى زيادة كلفة التشغيل، بدءاً من الكهرباء التي “ندفع فاتورتها مرّتين مرّة للدولة ومرّة للمولدات الخاصة، إلى جانب كلفة تركيب طاقة شمسية، وضرورة توفّر المياه الساخنة للحمامات وتأمين الكهرباء على مدار الساعة للبرادات والشاليهات”. ويضيف إلى ذلك كلفة الصيانة والعمالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية، مؤكداً أن “جزءاً من هذه الزيادات ينعكس حُكماً على الأسعار التي يدفعها الزبون”. لكن اللافت، بحسب صاحب المنتجع، أن أعداد الزبائن لم تتراجع كثيراً مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعزوه بصورة أساسية إلى “الحركة التي يؤمنها السيّاح والمغتربون خلال فصل الصيف.”

ترفيه “مُدولَر”

وبين تبريرات أصحاب المؤسسات السياحية وشكاوى العائلات من ارتفاع الكلفة، تبقى المفارقة الأبرز في مشهد المطاعم والمنتجعات الممتلئة، رغم أن الترفيه بات خارج متناول شريحة واسعة من اللبنانيين. فكيف يمكن تفسير هذا التناقض اقتصادياً؟

يوضح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ “ليبانون ديبايت” أن ارتفاع أسعار الترفيه لا يرتبط بزيادة الطلب فقط، بل بإعادة تسعير هيكلية للاقتصاد اللبناني، بعدما أصبحت معظم كلفة التشغيل، من الغذاء والطاقة والصيانة إلى الأجور والإيجارات، مرتبطة بالدولار. كما رفعت المؤسسات هوامشها لتعويض جزء من خسائر سنوات الأزمة وارتفاع المخاطر التشغيلية.

ويرى أبو سليمان أن الترفيه أصبح، إلى حد كبير، رفاهية لفئة محددة، بعدما بات القادرون على الإنفاق بصورة أكبر من أصحاب المداخيل بالدولار، إلى جانب المغتربين والسياح. وهذا الواقع، بحسب قوله، يعكس “اقتصاداً بسرعتين”، الأول يتمتع بقدرة شرائية دولارية، وآخر يعتمد على مداخيل محلية لم تلحق بمستويات الأسعار.

لذلك، لا يعني امتلاء المطاعم والمنتجعات بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية للبنانيين، إذ قد يعكس قوة الطلب لدى شريحة معيّنة لكنها أكثر قدرة على الإنفاق. ويخلص الخبير الاقتصادي، إلى القول أن” السوق الترفيهية في لبنان أصبحت أكثر “دولرة” وانتقائية، مع تركز الطلب بصورة أكبر لدى أصحاب المداخيل الدولارية والمغتربين والسياح”.