هكذا زاد النواب مخصصاتهم: المخرج بتوقيع بري

كتبت” الاخبار”: إذا كانت المناصب تستدعي، بحسب منطق الحكومة، تعويضات مرتفعة تضمن استقلال أصحابها وتحميهم من الإغراءات، فإن المفارقة تصبح أكثر فجاجة عند الانتقال إلى النواب، الذين يُفترض أنهم يمثّلون الشعب ويعبّرون عن مصالحه، لا أن ينفصلوا عنه بسُلم مخصّصات خاص. فلماذا لم يرَ هؤلاء ضرورة في تمثيل اللبنانيين أيضاً في معركة الرواتب، والمطالبة بتصحيح أجور الموظفين الذين فقدت مداخيلهم معظم قيمتها؟ ولماذا تحرّكوا سريعاً عندما مسّ التفاوت مخصّصاتهم هم، ولا سيما أن عدداً كبيراً منهم لا يعتمد حصراً على التعويض النيابي، بل يملك أعمالاً وشركات ومشاريع ومصادر دخل خاصة؟

بحسب معلومات «الأخبار»، فقد بادر عدد من النواب إلى تشكيل وفد زار رئيس مجلس النواب نبيه بري لمطالبته بزيادة المخصّصات بعدما أصبح ما يتقاضونه أدنى من تعويضات رؤساء وأعضاء الهيئات الناظمة والرقابية. وافق برّي على المبدأ، وتقرّر أن يكون الإخراج لا على أساس تعديل قانوني لمخصّصات النواب، بل على أساس تحويل جزء من موازنة مجلس النواب إلى صندوق التعويضات. هكذا اتُّخذ القرار في هيئة مكتب المجلس النيابي قبل بضعة أشهر وقضى بزيادة التقديمات الاجتماعية الممنوحة للنواب استناداً إلى اعتماد موجود أصلاً في موازنة مجلس النواب من دون فتح اعتماد إضافي ومن دون اللجوء إلى استصدار مرسوم في مجلس الوزراء. وإدراج الزيادة تحت بند «التقديمات الاجتماعية» لا يغيّر أثرها الفعلي، وخصوصاً إذا كانت تُدفع شهرياً وبانتظام. فقد رفعت مجموع ما يتقاضاه النائب، وفق تقديرات مصادر متابعة، إلى ما بين أربعة وخمسة آلاف دولار شهرياً.

في المقابل، لم تُظهِر الدولة المرونة نفسها تجاه موظفيها. ففي 16 شباط 2026، أقرّ مجلس الوزراء إعطاء العاملين في القطاع العام ستة رواتب إضافية، على أن يبدأ احتسابها في الأول من آذار. ولاحقاً، فُتح اعتماد بقيمة 56,500 مليار ليرة لتمويل الزيادة بمفعول يعود إلى ذلك التاريخ. غير أنها لم تُدمج في أساس الراتب ولم تدخل في احتساب تعويض نهاية الخدمة، ولم تشكّل بداية لتصحيح فعلي لسلسلة الرتب والرواتب، بل بقيت زيادة مؤقتة لا تتجاوز قيمتها لدى عدد كبير من الموظفين بضع مئات من الدولارات.

ورغم ضآلة الزيادة مقارنةً بما أُقرّ لرؤساء وأعضاء الهيئات والمجالس، لم يحصل عليها الموظفون من دون معركة. فبدلاً من دفع المستحقات المتراكمة، طرحت وزارة المالية تقسيطها، ما دفع روابط موظفي الإدارة العامة والأساتذة وسائر العاملين إلى الاعتراض والتحرك. كما اصطدمت محاولة تمديد الدفع إلى ما بعد نهاية عام 2026 برأي مجلس شورى الدولة الذي شدّد على وجوب تنفيذ الاعتماد ضمن سنة الموازنة نفسها.

وهكذا، وجد الموظفون أنفسهم يفاوضون حتى على عدد الأقساط التي ستُدفع فيها زيادة أُقرّت لهم أصلاً. فمتوسط ما سيحصل عليه الموظف من مستحقاته المتراكمة لا يتجاوز نحو 1200 دولار، ومع ذلك تسعى السلطة إلى تقسيطه على 12 شهراً، أي بما يعادل نحو 100 دولار شهرياً. هنا تبلغ السريالية ذروتها: منح رئيس هيئة ثمانية آلاف دولار وعضوها سبعة آلاف شهرياً لم يحتج إلى كل هذا الأخذ والرد، فيما تحوّلت إضافة مئة دولار إلى دخل الموظف إلى أزمة تمويل وتشريع، ومصدر خطر نقدي على المالية العامة وفق الخطاب الرسمي. بهذه السياسة، لا تعيد السلطة بناء القطاع العام، بل تعيد ترتيب الامتيازات داخله. من يمتلك القدرة على الوصول إلى مجلس الوزراء أو رئاسة مجلس النواب يحصل على «تصحيح» خاص وسريع، فيما يُطلب من عشرات آلاف الموظفين الانتظار والقبول بالتقسيط، إلى أن يتحسّن وضع الدولة النقدي. هكذا يتحوّل الأجر من حق تحكمه سياسة عامة إلى نتيجة مباشرة لموقع كل فئة داخل هرم النفوذ.