
وسط صمت غريب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأركان إدارته على رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسميا خطة المرحلة الثانية من اتفاق السلام المكونة من 15 بندا، وتأكيده أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل، توالت التحليلات للأسباب الحقيقية وراء هذا الموقف وتداعياته المحتملة.
وترافق هذا الإعلان مع تقارير إعلامية تتحدث عن استعدادات إسرائيل للتصرف بشكل منفرد ضد إيران في ظل ترجيحات لتوصل واشنطن وطهران لاتفاق قريبا، على عكس رغبة تل أبيب. وتقاطعت العديد من التحليلات السياسية في جزئية الربط بين هذين التطورين والانتخابات الإسرائيلية والأميركية المقررة في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني على الترتيب.
وكما هي العادة في مواقف سابقة بدت في ظاهرها أنها مقدمات لشقاق كبير وتحول جذري بين نتنياهو وترامب، وسرعان ما كشفت الأيام التالية عدم صحتها وبرهنت على أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية أكبر وأعمق بكثير من ذلك، ولن يخرج تباين المواقف الظاهري عن المألوف أيضا هذه المرة، بحسب العديد من المراقبين، الذين فسروا إعلان نتنياهو بشأن خطة غزة بأنه ورقة انتخابية مهمة يحاول الحفاظ بها على منصبه.
وسردت صحيفة الغارديان البريطانية تاريخا صداميا، أو هكذا بدا، لنتنياهو مع رؤساء أميركيين سابقين، فقالت إنه على غرار الرؤساء الذين سبقوه، وجد ترامب أن نتنياهو قد يكون حليفا صعبا. وذكرت أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بعد لقائه الأول مع نتنياهو عام 1996، قال: «من هي القوة العظمى اللعينة هنا؟».
واستطردت الصحيفة أنه في الآونة الأخيرة، وجدت إدارة الرئيس السابق جو بايدن أنه تم تجاهل مخاوفها بشأن الخسائر البشرية في غزة، لكنها واصلت دعم نتنياهو علنا ولم تلتفت لدعوات تعليق المساعدات العسكرية لإسرائيل بشكل كبير خوفا من رد الفعل السياسي السلبي الذي قد يتسبب فيه نتنياهو وحلفاؤه في الولايات المتحدة، وفقا للغارديان.
وأضافت الصحيفة أن نتنياهو «وجد في ترامب نظيرا أكثر غرابة وتقلبا بكثير في البيت الأبيض. نتنياهو حليف طبيعي لترامب، وقد هاجم الديمقراطيين قبل انتخابات التجديد النصفي لضعف موقفهم في دعم إسرائيل».
واعتبرت الغارديان أن الهدف الرئيسي لرفض نتنياهو خطة ترامب بشأن غزة كان الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن «إسرائيل برزت كعقبة رئيسية أمام خطط البيت الأبيض في عهد ترامب للتوسط من أجل إحلال السلام في المنطقة، وفي الصراعات الإسرائيلية في غزة ولبنان، وكذلك في الحرب التي بدأت بضربات أميركية -إسرائيلية مشتركة على إيران». ورأت أن نتنياهو، الذي يواجه الانتخابات البرلمانية المقبلة وضغوطا من المتشددين في حكومته، «مستعد لاختبار علاقته مع ترامب علنا من أجل تعزيز سمعته كمدافع عن إسرائيل في الداخل».
واستشهدت الصحيفة بالتصعيد العسكري الإسرائيلي في القطاع، عقب إعلان ترامب مباشرة عن خطة السلام، حيث أسفرت غارات عن مقتل 18 شخصا يوم الأحد قبل الماضي، مشيرة إلى أن تل أبيب أشارت من قبل إلى أنها سترفض تلك الخطة التي تقودها الولايات المتحدة، وأن مكتب نتنياهو قال إنه لن يدعم الخطة، وإن «النسخة التي تم نشرها لا تعكس مواقف إسرائيل».
واعتبرت أن «الرفض الذي صدر يوم الأحد (أمس) كان أقوى وأكثر صراحة بكثير، وبدا أنه يستهدف البيت الأبيض في عهد ترامب، حيث يواجه كل من ترامب ونتنياهو انتخابات صعبة». وركزت الصحيفة على لهجة نتنياهو عندما قال: «على عكس كل من يلقون علينا المحاضرات، نحن نفعل ما يجب فعله من أجل أمن إسرائيل، ونستطيع أن ندافع عن موقفنا ونعرف كيف نفعل ذلك، حتى ضد أفضل أصدقائنا عند الضرورة».
ووصفت الغارديان رفض نتنياهو لخطة الرئيس الأميركي بأنه «ضربة لرغبة ترامب في أن ينظر إليه على أنه وسيط سلام في النزاعات الخارجية. ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني، يسعى البيت الأبيض جاهدا للتفاوض على سلام في إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز والمساعدة في خفض أسعار النفط والبنزين».
إلا أن الغارديان لفتت إلى طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط من حيث الارتباط والتداخل، مشيرة إلى استمرار الجهود الأميركية الموازية لإحلال السلام في لبنان، حيث تحتل إسرائيل أراض فيما تصفه بـ«المناطق العازلة» بجنوب لبنان، وفي غزة، في وقت يندد فيه حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بـ«حملة التطهير العرقي» التي تنفذها إسرائيل.
ولكن على نطاق أوسع، فإن «الدعم لإسرائيل وحربها في غزة آخذ في التآكل داخل الحزب الديمقراطي، كما أن لدى الجمهوريين مرشح رائد للرئاسة لعام 2028 متمثل في شخص نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يعبر علنا عن شكوكه تجاه إسرائيل والحرب في غزة»، وفقا للصحيفة البريطانية التي رأت أنه «سيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سيزيد الضغط على نتنياهو، مما قد يؤدي إلى التضحية ببعض الحلفاء المؤيدين لإسرائيل، أم أنه سيدع جهوده الرامية إلى وضع خطة سلام لغزة تتعثر، ربما إلى أجل غير مسمى».
وختمت الصحيفة بالقول إن الإجابة ستعتمد بشكل كبير «على الغرائز السياسية للرئيس الأميركي نفسه، فهل يأمل الناخبون الأميركيون في رؤية ترامب يبرز كرجل دولة قادر على إنهاء أحد أكثر الحروب دموية في العالم في الآونة الأخيرة في غزة، أم أن صداما علنيا مع نتنياهو سيفجر ثورة بين قاعدته الانتخابية؟ ومع دخول البلدين في دورات انتخابية مضطربة، ووجود تحول جيلي في الدعم لإسرائيل بين الناخبين الأميركيين، فإن النتيجة قد تعيد رسم ملامح التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة».
فكرة نيوز