
كتب رضوان عقيل في” النهار”: وقّع 86 نائباً عريضة برلمانية تطالب باستمرار بقاء “اليونيفيل” في الجنوب. ولم تحظَ بتوقيع نواب كتلتي “حزب الله” و”القوات اللبنانية” وكان عرّابها النائب ملحم خلف بدعم من الرئيس نبيه بري وبمواكبة من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام. أقدم خلف على هذه الخطوة قبل أقل من نصف سنة من انتهاء ولاية التمديد للقوة الدولية في الجنوب.
في رأيه، إن الأسباب التي أدت إلى ولادة القرار 425 عام 1978 “لا تزال موجودة كلها ولم تتغيّر بل ثمة حاجة إلى مضمون هذا القرار وأصبحت مطلوبة أكثر في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الجنوب وسط خطر أكبر من دون المظلة الأممية”. وما قصده خلف من وراء هذه العريضة هو القول لكل المعنيين في الداخل والخارج إن كتلاً نيابية وازنة من أكثر من اتجاه ومن كل الطوائف تؤكد أن الخيار اللبناني يدعم استمرار “اليونيفيل” في الجنوب. ويذكّر هنا بما بذله الراحل غسان توينيعندما كان ممثلاً للبنان في الأمم المتحدة آنذاك. وكان تويني يذكّر بأن “الانتصار الذي حققه لبنان هو نتيجة جهود كبيرة ويجب التنبه له لأننا استحوذنا على القرار 425 وسط جملة من الظروف الصعبة، وكلامه وتحذيراته ما زالت تصلح إلى اليوم”. وعلى البرلمان، بحسب خلف، مخاطبة الأمم المتحدة والعالم في هذه العريضة، وبشخص وزير الخارجية للطلب من العالم اتخاذ كل الإجراءات للمطالبة بإبقاء “اليونيفيل” في الجنوب أو بإعادة النظر في القرار الأخير الذي اتّخذ بإنهاء مهمة “اليونيفيل” نهاية 2026.
يقول خلف بأنه أبلغ الرئيس نواف سلام بالعريضة “وردّ إيجاباً وبأنه يعمل على هذا الموضوع”، والبرلمان يعزز موقف الحكومة في هذه الخطوة. ويضيف: تلقينا تأييداً من رئيس الجمهورية. ولم تتبلور بعد مقاربة رجي لهذا المشروع، لا سيما أن “القوات” لم تمضِ بالعريضة.
وكتب مراسل”النهار” في فرنسا سمير تويني :يمثل انتهاء مهمة “اليونيفيل” تحولاً استراتيجياً يفرض إعادة رسم منظومة الأمن في جنوب لبنان. فمع اقتراب موعد انسحاب القوة الدولية، تتجه الأنظار خلال اجتماعات الناتو الـ36 في تركيا إلى الجهة التي ستملأ الفراغ، فيما تستبعد الولايات المتحدة نشر قوات على الأرض، وتتبلور داخل الاتحاد الأوروبي (فرنسا وإيطاليا) أفكار لإنشاء بعثة جديدة لتتولى دعم الجيش اللبناني ومواكبة تنفيذ الترتيبات الأمنية التي أفرزها الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية. ووفق مصادر دولية، رغم أن واشنطن لا تنظر إلى المشاركة الأوروبية بوصفها أولوية في استراتيجيتها تجاه لبنان، فإنها لا تبدو معارضة لها، شرط أن تأتي مكملة للجهود الأمريكية لا منافسة لها.
كما أن الاتفاق الثلاثي نفسه تحدث عن دور “الشركاء الدوليين” في دعم سيادة لبنان، فيما دعا بيان مجموعة السبع الذي عقد أخيراً في فرنسا إلى توفير ضمانات أمنية دولية مناسبة، بما يفتح الباب أمام مقاربة متعددة الأطراف يكون الأوروبيون أحد أعمدتها. في المقابل، تضيف المصادر، بدأت الأمم المتحدة بدرس شكل حضورها بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل”، فقد طرح الأمين العام أنطونيو غوتيريش ثلاثة خيارات تتفاوت في الحجم والمهمات، تراوح بين بعثة محدودة تضم نحو 1500 عنصر وأخرى تتجاوز أربعة آلاف فرد، مع إبقاء وظائف أساسية تشمل مراقبة وقف النار، والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل، ودعم الجيش اللبناني، ومتابعة تنفيذ القرار الدولي 1701.
ولن يكون انسحاب “اليونيفيل” نهاية الدور الدولي في لبنان، بل بداية مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من حفظ الاستقرار إلى بناء مؤسسات الدولة. من هنا يبرز الحديث عن بعثة أوروبية مستقلة عن الأمم المتحدة لكنها متكاملة معها. فقد أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن العمل جارٍ على إعداد بعثة جديدة للبنان، فيما كشفت كل من فرنسا وإيطاليا عن مشاورات لإطلاق تحالف دولي لدعم المرحلة الانتقالية بعد “اليونيفيل”.
ورغم غموض الشكل النهائي لهذه المبادرات، فإنها تعكس استعداداً أوروبياً لتحمل جزء من أعباء الاستقرار في لبنان، ولا يُنتظر من هذه البعثة أن تضطلع بمهمات قتالية أو أن تدخل في مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، بل أن تركز على بناء قدرات الجيش اللبناني، وتقديم الدعم الفني والتدريب، والمساهمة في إصلاح القطاع الأمني، على غرار بعثات الاتحاد الأوروبي في العراق أو عملياته البحرية في البحر المتوسط.
غير أن هذه المقترحات لا تبدو منسجمة تماماً مع الرؤية الأمريكية. فمنذ سنوات، تبدي واشنطن تحفظاً عن أداء القوات الدولية، معتبرة أن الاعتماد الطويل عليها حدّ من تطوير دور الجيش اللبناني في الجنوب.
لذلك تميل الإدارة الأمريكية إلى نموذج أكثر خفة، يركز على تمكين الجيش اللبناني بدلاً من استبدال دوره، وهو ما يفسر حذرها تجاه أي بعثة أممية واسعة النطاق. في المقابل، تبدو إسرائيل معنية أيضاً بإنجاح أي ترتيبات تعزز دور الجيش اللبناني، رغم التوتر المتصاعد في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. فالتجربة أثبتت أن استمرار العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية أو إبقاء أي وجود طويل الأمد لا يؤدي إلا إلى تعزيز خطاب القوى التي تبرر احتفاظها بالسلاح تحت شعار مقاومة الاحتلال، فيما يبقى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية الخيار الأكثر استدامة لضمان أمن الحدود.
ويبقى التحدي الأكبر في إيجاد آلية موثوق بها للتحقق من تنفيذ ترتيبات نزع السلاح. فقد كان غياب جهة ثالثة تحظى بثقة جميع الأطراف أحد أسباب تعثر المبادرات الأممية.
فكرة نيوز