انكماش 14% ودين متضخم… “موديز” ترسم صورة قاتمة للبنان

“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي

تحت عنوان “العقد الضائع للبنان” (Lebanon’s Lost Decade)، نشرت وكالة Moody’s “موديز” للتصنيفات الائتمانية تقريراً في شهر أيار المنصرم عن حجم التراجع الاقتصادي الذي شهده لبنان منذ بداية الأزمة المالية عام 2019، بالإضافة إلى التوقعات لعام 2026.

الأرقام الواردة في التقرير هي تقديرات وتوقعات مبنية على بيانات البنك الدولي، وقد أبقت الوكالة مستوى التصنيف العام للبنان عند مستوى C، مع توقعات مستقبلية مستقرة. لكن أهمية ما أوردته عن حجم التراجع الاقتصادي تكمن في أنه ينبغي التعامل معه على أنه سيناريو متوقع إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية الحالية في لبنان من دون إصلاحات جوهرية.

سجل التقرير انخفاضاً في خمسة مؤشرات، أولها حجم الاقتصاد اللبناني الذي انخفض من 55.3 مليار دولار في العام 2018 إلى 18 مليار دولار متوقعاً عام 2026. أي أنه خسر 37.3 مليار دولار من حجمه، ما يمثل تراجعاً بنسبة 67.5 بالمئة. بمعنى آخر، أصبح الاقتصاد اللبناني يساوي تقريباً ثلث حجمه السابق فقط. ولتوضيح الخسارة التي لحقت به، أشار التقرير إلى أن كل 100 دولار من الإنتاج الاقتصادي قبل الأزمة أصبحت تعادل نحو 32 دولاراً اليوم. وهذا يعني أن لبنان فقد حوالي ثلثي قدرته الإنتاجية. فإذا كان الاقتصاد ينتج 100 وحدة من السلع والخدمات قبل الأزمة، فإنه ينتج اليوم حوالي 32 وحدة فقط.

المؤشر الثاني هو دخل الفرد الذي انخفض من 11,060 دولاراً سنوياً عام 2018 إلى 3,592 دولاراً عام 2026، أي أن متوسط الثروة أو الدخل الاقتصادي المتاح لكل مواطن تراجع بنحو 7,468 دولاراً للفرد، وهي أيضاً خسارة بنسبة 67.5 بالمئة. وهذا يعكس تراجع مستوى المعيشة وازدياد معدلات الفقر.

ثالث المؤشرات هو الدين العام الذي بلغ 160 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني أن حجم الدين أكبر بكثير من قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة، ما يضع ضغوطاً كبيرة على المالية العامة والدولة.

أما رابع المؤشرات فهو النمو الاقتصادي، حيث تشير التوقعات إلى أنه سيسجل نمواً سلبياً بنسبة 14 بالمئة عام 2026، أي أن الاقتصاد لا يزال ينكمش بدلاً من التعافي. وهذا مؤشر خطير لأنه يعني استمرار خسارة النشاط الاقتصادي والاستثمارات وفرص العمل.

المؤشر الخامس هو معدل التضخم المتوقع في العام 2026، والذي سيبلغ 11 بالمئة. ورغم أنه أقل بكثير من مستويات التضخم القياسية التي شهدها لبنان بين عامي 2020 و2023، إلا أنه يبقى مرتفعاً مقارنة بالاقتصادات المستقرة.

في الميزان الاقتصادي، تعكس هذه الأرقام ما يُعرف بـ”الانهيار الاقتصادي الهيكلي” وليس مجرد ركود عابر، وذلك بسبب انهيار القطاع المصرفي وتعثر الدولة عن سداد ديونها منذ عام 2020، وفقدان الليرة اللبنانية معظم قيمتها، وهجرة الكفاءات ورؤوس الأموال، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتداعيات الحرب والتوترات الأمنية، وغياب الإصلاحات الاقتصادية والمالية. لذلك فإن المشكلة لم تعد مجرد أزمة سيولة أو أزمة مصرفية، بل تحولت إلى انكماش طويل الأمد في حجم الاقتصاد والدخل والإنتاج.

أبو سليمان: أرقام “موديز” حلقة ضغط مزدوجة… اقتصاد ينكمش ومواطن يخسر

يوضح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ”ليبانون ديبايت” أن “خطورة توقع موديز بانكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 14 بالمئة لا تكمن في الرقم بحد ذاته فقط، بل في ما يعنيه اجتماعياً ومالياً، فكل 100 دولار من الناتج المحلي ستنخفض إلى 86 دولاراً، أي خسارة مباشرة في حجم الاقتصاد وفي متوسط الناتج للفرد إذا بقي عدد السكان شبه ثابت”، مشيراً إلى أنه “بعد نمو خجول بلغ 4 بالمئة في 2025، فإن انكماشاً بهذا الحجم لا يمحو التعافي السابق فحسب، بل يعيد الاقتصاد إلى نقطة أضعف بكثير. فالناتج بعد نمو 4 بالمئة ثم انكماش 14 بالمئة يصبح أقل بنحو 10.6 بالمئة من مستواه قبل التحسن. هذا يعني قدرة شرائية أضعف، وفرص عمل أقل، ومداخيل أكثر هشاشة، وتراجعاً إضافياً في استهلاك الأسر، خصوصاً مع تضخم متوقع عند 11 بالمئة لا يزال يلتهم الدخل الحقيقي”.

ويضيف: “مالياً، فإن ارتفاع الدين إلى 160 بالمئة من الناتج لا يعكس فقط تضخم عبء الدين، بل أيضاً تقلص القاعدة الاقتصادية التي يُقاس عليها هذا الدين. وحتى الفائض الأولي المتوقع بنسبة 0.5 بالمئة يبدو أقرب إلى نتيجة تقشف وضغط إنفاق، لا إلى تعافٍ فعلي في الإيرادات أو الإنتاج”.

ويختم: “باختصار، أرقام “موديز” لا تصف ركوداً عابراً، بل حلقة ضغط مزدوجة: اقتصاد ينكمش، ومواطن يخسر من دخله الحقيقي، ودولة تصبح ديونها أثقل لأن الناتج الذي يحملها صار أصغر”.