
“ليبانون ديبايت”-باسمة عطوي
تشهد الأسواق المالية العالمية إضطراباً كبيراً في سوق السندات الحكومية، بسبب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى وتداعياتها على طرق الإمداد وأسعار النفط، وهي السوق التي تُعتبر عادةً الأكثر أماناً وإستقراراً في النظام المالي العالمي. ما يحدث ليس مجرد تراجع عادي، بل موجة بيع واسعة وسريعة للسندات، ما يعني أن ما يجري في هذا السوق ليس أزمة مالية تقنية فقط، بل مؤشر إلى أن الإقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر كلفة وخطورة.
لنشرح أولا ما هي السندات الحكومية، هي ديون تصدرها الدول للإقتراض من الأسواق. فعندما يشتري مُستثمر سنداً حكومياً، فإنه عملياً يقرض الدولة أمواله مقابل فائدة محددة. ومن الأمثلة على ذلك، إصدار الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وإلمانيا سندات خزينة، وكان يُنظر إلى هذه السندات تاريخياً كملاذ آمن للمستثمرين. أما اليوم فالمستثمرون يبيعون هذه السندات بكثافة وبشكل جماعي بسبب الحرب وتداعياتها الاقتصادية، ما أدى إلى إنخفاض أسعارها وإرتفاع الفوائد عليها إلى مستويات قياسية (بسبب المخاطر العالية)، ما يعني أن الدول باتت مضطرة لدفع فوائد أعلى للإقتراض. وهنا تبدأ المشكلة الكبرى عالميا لأن ذلك يعني إرتفاع كلفة الدين العالمي والدول المُثقلة بالديون ستدفع فوائد أعلى بكثير لخدمة ديونها، وإذا كانت دولة تقترض بفائدة 2 بالمئة وأصبحت الفائدة 5 بالمئة فإن كلفة الدين تتضاعف، وهذا يضغط على الموازنات العامة والإنفاق الإجتماعي، والإستثمارات الحكومية.
هذا الإرتفاع بالفوائد يضغط أيضا على الاقتصاد العالمي، لأن إرتفاع الفوائد على السندات الحكومية يرفع فوائد القروض الشخصية والمنازل والشركات وكلفة الاستثمار، والنتيجة ستكون تباطؤ اقتصادي وتراجع الإستهلاك، وإحتمال دخول الاقتصاد العالمي في ركود. أما البنوك المركزية الكبرى مثل الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، فباتت مُحاصرة بين خيارين صعبين، فإذا خفّضت الفائدة قد يعود التضخم للإرتفاع وإذا أبقت الفائدة مرتفعة، قد ينهار النمو الإقتصادي وتزداد أزمة الديون ولهذا وُصفت بأنها “محاصرة في زاوية نقدية معقدة “.
كيف يمكن أن ينعكس ذلك على لبنان؟ رغم أن لبنان خارج الأسواق المالية العالمية حالياً( بسبب إعلان إفلاسه والتوقف عن خدمة دين سندات اليوروبوند في آذار 2020)، إلا أن التأثيرات غير المباشرة عليه كبيرة منها إرتفاع كلفة الإستيراد عالمياً وتشدد أكبر في التمويل الدولي (لا سيما إعادة الاعمار بعد الحرب)، وضغط إضافي عليه كونه من الدول المُثقلة بالديون، ناهيك عن تأثره بالتباطؤ الإقتصاد العالمي ما يُضعف التحويلات والاستثمارات إليه.
واجب قانصو:
يشرح الخبير الإقتصادي الدكتور واجب قانصو ل”ليبانون ديبايت” أن “أسواق المال العالمية تشهد واحدة من أكثر الهزات الهيكلية عمقاً منذ عقود، والمتمثلة في موجة البيع العنيفة والخاطفة للسندات الحكومية السيادية. هذا الإنخفاض الحاد في أسعار السندات، والذي دفع بعوائد الديون السيادية لمدد 10 و30 عاماً إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، لا يقف أثره عند حدود شاشات التداول، بل يمتد ليعيد صياغة المشهد الاقتصادي الكلي ويحاصر البنوك المركزية الكبرى في زاوية نقدية شديدة التعقيد”.
كيف ذلك ؟ يجيب قانصو:” تتضافر عدة عوامل جيوسياسية ومالية لتغذية هذه “العاصفة”، وتتمحور حول ثلاثة محاور أساسية:
أولا: صدمة الطاقة ومخاوف “الركود التضخمي”، إذ تأتي قفزة أسعار نفط برنت وتجاوزه عتبة 100 إلى 120 دولاراً للبرميل كعامل أساسي ومباشر في إشعال التوقعات التضخمية مجدداً. الأسواق لا ترى في هذا الإرتفاع مجرد أزمة مؤقتة، بل “تضخماً مستورداً” يعيد إحياء شبح الركود التضخمي، مما يُقلص من القيمة الحقيقية للتدفقات النقدية الثابتة التي تُقدمها السندات، ويدفع المستثمرين للتخلص منها فوراُ.
ثانيا: تبدد آمال خفض الفائدة، إذ أجبرت صدمة الطاقة المُستثمرين على إعادة تسعير توقعاتهم لسياسات البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي. الرهانات التي كانت قائمة على خفض سريع ومبكر لأسعار الفائدة تبخرت، وحلت مكانها قناعة راسخة بأن الفائدة المرتفعة إستقرت لتبقى لفترة أطول. وبما أن أسعار السندات تتحرك عكسياً مع العوائد، فإن التوقع بإستمرار الفائدة المرتفعة يعني تلقائياً انخفاض القيمة السوقية للسندات الحالية ذات العوائد المنخفضة.
ثالثا:معضلة الإستدامة المالية ومعروض الديون الضخم، إذ تواجه الحكومات في الإقتصادات المتقدمة (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا) معضلة نمو الديون السيادية التي بلغت أو تجاوزت المئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي .ولتمويل عجز الموازنات المستمر والإنفاق العام، تواصل الخزائن الحكومية ضخ كميات هائلة من السندات الجديدة في الأسواق، هذا الارتفاع الضخم في جانب “المعروض” من أدوات الدين، يقابله تراجع في “الطلب” من المستثمرين، مما يؤدي طبيعياً إلى هبوط الأسعار وارتفاع العوائد.
ارتدادات الصدمة على البنوك المركزية
يوضح قانصو أن “البنوك المركزية تجد نفسها اليوم المتضرر الأكبر من هذه الموجة، حيث تسلبها الأسواق “عنصر التحكم” وتفرض عليها واقعاً نقدياً ومالياً صعباً يتلخص في التشديد القسري والتلقائي للأوضاع المالية.
فالمشكلة الأبرز التي تواجه صانعي السياسة النقدية، هي أن الأسواق تقوم بالتشديد نيابة عنهم وبشكل أسرع مما ينبغي ( Passive Financial Tightening). وإرتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يترجم تلقائياً إلى ارتفاع في كلفة التمويل العقاري والتجاري دون الحاجة لقرار رسمي برفع الفائدة من البنك المركزي”،لافتا إلى أن “هذا التشديد التلقائي يضيق هامش المناورة أمام البنوك، فلا هي قادرة على خفض الفائدة لدعم النمو الاقتصادي الآخذ في التباطؤ خوفاً من إشتعال التضخم، ولا هي قادرة على رفعها بشكل إضافي خوفاً من التسبب في ركود حاد وصدمة ائتمانية”.
ويشير إلى أنه من الإرتدادات أيضا “تآكل الميزانيات العمومية وخسائر التيسير الكمي . فعلى مدى سنوات طويلة،إاشترت البنوك المركزية كميات تريليونية من السندات الحكومية لدعم الإقتصادات خلال الأزمات السابقة.
اليوم، مع الإنهيار الحاد في أسعار هذه السندات، تواجه هذه البنوك (مثل الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا) خسائر دفترية وفعلية هائلة في ميزانياتها العمومية”، جازما بأن ” هذا التآكل القياسي يعيق قدرة البنوك على المضي قدماً في برامج التشديد الكمي(أي بيع ما تملكه من سندات لسحب السيولة) لأن استمرارها في البيع وسط هذه الموجة قد يؤدي إلى انهيار كامل لأسواق الدين المالي”، لافتا إلى أن “موجة بيع السندات وضعت إستقلالية وجدارة البنوك المركزية أمام إختبار حقيقي، وفككت “الحركة الجماعية المتزامنة” لصالح أزمات محلية خانقة، ففي منطقة اليورو، يضغط الإرتفاع الحاد في عوائد السندات الألمانية والمسار التراجعي لليورو على المركزي الأوروبي، للموازنة بين حماية العملة من التضخم ومنع تفاقم أزمة ديون دول الأطراف. وفي اليابان، قفزت العوائد السيادية إلى مستويات غير مهدئة، مما شكل ضغطاً عنيفاً على بنك اليابان ($BOJ$) وأجبره على التخلي التدريجي عن سياسة التحكم في منحنى العائد ($YCC$) لحماية الين من الإنهيار التام أمام الدولار”.
ويختم:”إن موجة بيع السندات العالمية تمثل “حصاراً نقدياً” بإمتياز. لقد باتت البنوك المركزية أسيرة لمعادلة معقدة، إما التدخل كـ “مشتري الملاذ الأخير” لتهدئة أسواق الدين وضخ السيولة (وهو ما يناقض مستهدفات محاربة التضخم)، أو ترك العوائد ترتفع بحرية والمخاطرة بحدوث إنكسار مالي في أسواق الائتمان العالمية. وفي كلتا الحالتين، فإن “الجمود النقدي القسري” بإنتظار هدوء الجبهات الجيوسياسية، واستقرار أسواق الطاقة يبقى الخيار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور”.
فكرة نيوز