
“ليبانون ديبايت”-محمد علوش
بدأ يتكوّن شعور بأن لبنان يدخل اليوم واحدة من أكثر المراحل المالية هشاشة منذ 3 أعوام، ليس فقط لأن الدولة ما تزال تعاني من أزمة بنيوية عميقة في ماليتها العامة، بل لأن الحرب نفسها كثّفت الضغوط الاقتصادية عبر ضرب الحركة الاقتصادية، وتوسيع النزوح الداخلي، واستنزاف القطاعات الخدماتية. ومن هنا تحديداً يمكن فهم كلام وزير المال ياسين جابر حين قال إن الأولوية اليوم هي لتأمين الرواتب لا لزيادتها، حيث باتت المعركة الأساسية مرتبطة بالحفاظ على الحد الأدنى من قدرة المؤسسات العامة على الاستمرار.
المشكلة هنا أن الأزمة الحالية ليست أزمة رواتب بل أزمة موارد كاملة. فالدولة اللبنانية، منذ سنوات، تعتمد جزئياً على إيرادات داخلية ضعيفة، وجزئياً على إجراءات استثنائية مؤقتة، بينما الاقتصاد الحقيقي لم يستعد عافيته أصلاً بعد الانهيار الكبير الذي أصاب القطاع المصرفي والعملة الوطنية والقدرة الشرائية.
ومع توسّع الحرب والتوترات الأمنية، بدأت تظهر آثار إضافية خطيرة على دورة الاقتصاد نفسها، لأن أي اقتصاد في العالم يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار كي يحافظ على تدفّق الإيرادات، بينما يعيش لبنان اليوم حالة شلل تدريجي تطال قطاعات السياحة والتجارة والاستثمار وحتى الاستهلاك الداخلي.
وترى مصادر مالية مطّلعة أنه لهذا السبب تحديداً يصبح الحديث عن الرواتب أكثر حساسية. فالدولة تدفع اليوم رواتب القطاع العام في ظل واقع مالي شديد التعقيد، حيث إن جزءاً أساسياً من الإيرادات بات يتأثر مباشرة بالحرب وبحالة الانكماش الاقتصادي. فعندما تتراجع الحركة التجارية، وتضعف القدرة الشرائية، وتتضرر المؤسسات، وتنخفض عمليات الاستيراد والاستهلاك، فإن إيرادات الدولة من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية والضرائب المختلفة تبدأ بالتراجع تلقائياً.
وتشير المصادر إلى أن النزوح الواسع الناتج عن الاعتداءات الإسرائيلية خلق أعباء إضافية على المالية العامة، سواء عبر ارتفاع الإنفاق الإغاثي أو عبر الضغط على الخدمات الأساسية والبنى المحلية في المناطق المستقبلة للنازحين.
والأخطر من ذلك، بحسب المصادر، أن الدولة اللبنانية لا تملك هامشاً مالياً واسعاً يسمح لها بامتصاص الصدمات. ففي الدول الطبيعية يمكن للحكومات أن تستدين بسهولة أو تستخدم احتياطاتها أو تتدخل المصارف المركزية ضمن منظومة مستقرة، أما في لبنان فالأزمة المصرفية ما تزال قائمة فعلياً، والثقة المالية الداخلية والخارجية لم تستعد بعد، فيما القدرة على الاقتراض محدودة جداً ومكلفة سياسياً ومالياً. وهذا يعني أن أي تراجع إضافي في الإيرادات قد ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب.
لكن رغم ذلك، لا يبدو حتى اللحظة أن الدولة تتجه نحو وقف الرواتب أو العجز الكامل عن دفعها، وإن كان الأمر ممكناً في المرحلة المقبلة بحال استمرت الحرب، لأن هذا السيناريو يحمل خطراً سياسياً واجتماعياً هائلاً. فالإدارة العامة، رغم ضعفها، ما تزال تمثل العمود الأساسي لاستمرار الدولة، وأي انهيار شامل في دفع الأجور سيؤدي عملياً إلى تفكك ما تبقى من المؤسسات العامة، وإلى انفجار اجتماعي واسع داخل بيئة الموظفين والعسكريين والمتقاعدين.
لذلك يبدو أن السلطة تتعامل مع الرواتب اليوم باعتبارها أولوية بحد ذاتها، حتى ولو جاء ذلك على حساب مشاريع أخرى أو على حساب أي زيادات فعلية للأجور.
وهنا تحديداً يمكن فهم الرسائل السياسية الكامنة خلف كلام وزير المال. فحين يقول إن الأولوية هي لتأمين الرواتب لا زيادتها، فهو يحاول عملياً خفض سقف التوقعات لدى موظفي القطاع العام، لأن أي زيادة حقيقية اليوم تحتاج إلى موارد ثابتة ومستقرة، بينما الدولة بالكاد تحاول الحفاظ على قدرتها الحالية. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمراراً في سياسة إدارة الحد الأدنى، أي تأمين الرواتب مع بعض المساعدات أو الحوافز المحدودة، من دون الدخول في تصحيح جذري للأجور يتناسب مع حجم الانهيار النقدي الذي حصل خلال السنوات الماضية.
وترى المصادر أنه على مستوى الدولة، فإن الحديث عن نقص في الإيرادات ليس تفصيلاً بسيطاً يمكن تجاوزه بسهولة، لأن الحرب تؤثر عادة على المالية العامة عبر عدة مستويات متزامنة مثل انخفاض النشاط الاقتصادي، وتراجع الجباية، وارتفاع الإنفاق الطارئ، وتعطّل قطاعات منتجة أساسية. وفي لبنان تحديداً، حيث الاقتصاد هش أصلاً، يصبح تأثير أي اهتزاز أمني مضاعفاً. فحتى المناطق غير المستهدفة مباشرة تتأثر نفسياً واقتصادياً، لأن السوق اللبنانية صغيرة ومترابطة، وأي خوف أمني ينعكس فوراً على الاستهلاك والاستثمار والتحويلات والسياحة.
لهذا تبدو المرحلة الحالية، بحسب المصادر، أقرب إلى محاولة منع الانهيار الكامل أكثر منها مرحلة معالجة حقيقية، مشيرة إلى أن الدولة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي والإداري، فيما تحاول المؤسسات الخاصة الصمود بانتظار اتضاح صورة الحرب، بينما يعيش المجتمع نفسه حالة استنزاف طويلة بدأت تضرب قدرته على الاحتمال.
وتعتبر المصادر أن المشكلة الأساسية هنا تكمن في أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يؤدي إلى انتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تآكل البنية المؤسساتية نفسها، حيث تصبح الدولة والقطاعات الخدماتية عاجزة تدريجياً عن الحفاظ حتى على الحد الأدنى من الأداء الطبيعي.
فكرة نيوز