من عين التينة إلى طاولة اللقاء الرئاسي: بري يسعى لفرملة الاندفاعة نحو التفاوض المباشر

“ليبانون ديبايت”- محمد علوش

يعود الحديث في بيروت عن التوافق الوطني من باب الضرورة، فلبنان، المعلّق بين مسارات تفاوضية تتجاوز حدوده بطبيعة الحال، لا يحتمل مغامرات فردية ولا رهانات على مكاسب سريعة من مسارات تفاوضية مليئة بالأفخاخ والألغام، لان أيّ انزلاق إضافي في هذا التوقيت لا يفتح باباً للحلول بل على العكس تماما، يوسّع هوّة الانقسام ويضعف القدرة على إدارة المرحلة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الخارجية وتقلّب موازين القوى في المنطقة.

المعطيات المتوافرة الآن تشير إلى أنّ اللقاء الرئاسي بين الرؤساء الثلاثة جوزيف عون، نبيه بري ونواف سلام، المفترض انعقاده هذا الاسبوع، بحال لم تحصل مفاجآت سلبية، سيحمل جدول أعمال مرتبطاً مباشرة بترتيب الوضع الداخلي وضبط الإيقاع السياسي.

تشير مصادر سياسية مطلعة الى ان هناك إدراكا متزايدا لدى أكثر من طرف، داخلي وخارجي، بأن استمرار التباين الحاد يهدّد بإخراج الدولة من قدرتها على الإمساك بملفات أساسية، من الأمن إلى التفاوض إلى إدارة الاستحقاقات المقبلة. لذلك، يُتوقّع بحسب المصادر أن يتركّز النقاش على إعادة توحيد الموقف الرسمي، ولو بالحد الأدنى، بما يمنع استفراد أي طرف بقرارات كبرى.

في هذا السياق، يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه عاملاً اساسيا باتجاه رسم حدود واضحة للمسار التفاوضي اللبناني، إذ تكشف المصادر عبر “ليبانون ديبايت” أن بري أبلغ أكثر من جهة داخلية وخارجية رفضه القاطع لتغطية أي اندفاعة نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً أنّ هذا الخيار يفتقر إلى الغطاء الوطني ولا يستند إلى مكاسب فعلية يمكن البناء عليها، وبالتالي يعتبر بري نفسه غير معني بهذا المسار وما ينتج عنه كونه يفتقر الى الحد الأدنى من التوافق الوطني.

في المقابل، يتمسّك بري بخيار التفاوض غير المباشر كإطار قابل للإدارة، يتيح الحفاظ على خطوط الاتصال من دون الذهاب إلى تحوّلات سياسية كبرى غير محسوبة في هذه المرحلة.

اللافت في هذا الموقف أنه يعكس قراءة أوسع لمسار المنطقة، فحتى الآن، لم تُسجَّل أي نتائج ملموسة يمكن أن تُنسب إلى الاندفاعة نحو التفاوض المباشر، لا على مستوى تخفيف الضغوط ولا على مستوى تثبيت مكاسب سيادية. أكثر من ذلك، تشير المصادر إلى أن تحييد العمق اللبناني عن العدوان الإسرائيلي لا يزال قائماً بشكل أساسي نتيجة المسار الأميركي الإيراني، وليس بفعل أي تفاوض مباشر تقوده الدولة، وهو ما تؤكده أجواء إسرائيلية واضحة، ما يضع علامات استفهام جدية حول جدوى الرهان على هذا الخيار في التوقيت الحالي.

في موازاة ذلك، تتابع القوى الداخلية حركة الخارج بحذر، فالاتصالات الإقليمية والدولية الجارية ترسم سقوفاً غير معلنة للمسارات الممكنة، فيما يُطلب من الداخل اللبناني التكيّف معها من دون امتلاك هامش واسع للمناورة، وبحسب المصادر فإن هذا الواقع يفرض مقاربة أكثر براغماتية داخل لبنان، تقوم على حماية الحد الأدنى من الاستقرار وتفادي التوجه إلى خيارات غير ناضجة قد تكلّف البلاد أثماناً يصعب احتواؤها لاحقاً وقد تكون شرارة لاشعال الداخل اللبناني.

من هنا، تبدو، بحسب المصادر، أهمية التوافق الوطني لأنه يمنع الانهيار الكامل ويؤمّن مظلّة سياسية لإدارة المرحلة بأقل الخسائر على مستوى الداخل، وترى أن الرهان على مسارات خارجية غير مكتملة، أو على تفاوض مباشر بلا ضمانات حقيقية، وبظل رغبة إسرائيلية واضحة بنية الاستفراد بلبنان، وهو ما قرأته القيادة السعودية بشكل واضح، فيبقى محفوفاً بمخاطر تتجاوز قدرة لبنان على تحمّلها.

وتختم المصادر قولها أن المشهد الداخلي اليوم، يتحرك باحثاً عن توازن بين الضرورات اللبنانية وضغوط الخارج، بانتظار ما ستسفر عنه التحولات الكبرى في المنطقة خصوصا على مستوى التفاوض الاميركي الايراني، وما على لبنان سوى محاولة إدارة المرحلة ليخرج بأقل الخسائر على مستوى الداخل وهذا أصل لقاء الرؤساء الثلاثة الذي تسعى لعقده السعودية.