إقتصاد

2.8 مليار دولار فائض في الموازنة… هل تخفي الأرقام أزمة أعمق؟

“ليبانون ديبايت” 

بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي في 15 تشرين الأول الجاري، حقّق لبنان فائضاً إجمالياً في المالية العامة بقيمة مليار دولار أميركي خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، أي إنه جَبى ضرائب وإيرادات من السكان أكثر مما أنفق عليهم بهذه القيمة.

تكمن أهمية هذا المؤشر في أنه يأتي على الرغم من تجدّد الحرب في بداية آذار الماضي، وموجة النزوح الكبيرة التي نتجت عنها، بالتوازي مع ارتفاع كلفة المعيشة والأعباء المترتبة على الأسر، والإضرابات التي تنفذها قطاعات عدة، منها موظفو الإدارة العامة والجامعة اللبنانية. وبذلك تكون الخزينة العامة قد راكمت فوائض لا تقل عن 2.8 مليار دولار منذ بداية عام 2023، من خلال التقشّف المجحف الذي تفرضه على سكانها في واحدة من أشد الفترات قسوة في تاريخ لبنان الحديث.

للوهلة الأولى، تبدو أرقام الفائض في الموازنة العامة مؤشراً إيجابياً. لكن بلوغ الفائض التراكمي 2.8 مليار دولار بين عام 2023 وأيار 2026 يطرح سؤالاً أساسياً: كيف تمكّنت الدولة اللبنانية من تحقيق فائض مالي في وقت لا تزال فيه تداعيات الانهيار الاقتصادي تتفاقم، والقدرة الشرائية للمواطنين تتآكل، والخدمات العامة تعاني اختلالات مزمنة؟

لا شك في أن تعزيز الإيرادات وتحسين الجباية وضبط الإنفاق عوامل يمكن أن تسهم في استعادة التوازن المالي. وقد أشار البنك الدولي في تقاريره عن لبنان إلى تحسّن الأداء المالي، مدفوعاً بتحسّن الامتثال الضريبي وزيادة تحصيل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، مع تسجيل فائض إجمالي في المالية العامة عام 2025 بلغ 3.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن المؤسسة الدولية حذّرت في آب الماضي من أن استمرار النزاع وارتفاع حاجات الإغاثة وإعادة الإعمار والضغوط على الإنفاق العام قد تضع المالية العامة أمام تحديات إضافية.

والسؤال الأهم يتعلق بمصدر هذا الفائض وكيفية تحقيقه: هل يعكس توسعاً في النشاط الاقتصادي وتحسناً مستداماً في قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها، أم يرتبط أساساً بزيادة الرسوم والضرائب في اقتصاد يعاني فيه المواطنون والمؤسسات ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج؟

الجواب هو أن هذا الفائض مصدره الضرائب والرسوم. وهنا تبرز مفارقة مالية واجتماعية: قد تتحسن حسابات الخزينة في وقت لا يشعر فيه المواطن بأي تحسن مماثل في حياته اليومية. فالفائض المالي لا تستخدمه الدولة لتحسين الرواتب والأجور أو تطوير الكهرباء والمياه والنقل العام والصحة والتعليم، كما أنه لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في طبيعة النفقات التي جرى احتسابها. فبحسب الخبراء، لا يكفي التوازن المالي الظاهر للحكم على سلامة المالية العامة إذا كانت هناك متأخرات غير مسددة أو التزامات متراكمة لا تظهر بالكامل في الحسابات. وقد أشار البنك الدولي، في تحليله السابق للموازنة اللبنانية، إلى أن الأرصدة المالية لا تعكس بالضرورة المتأخرات القديمة والقروض الحكومية بالعملات الأجنبية.

أما في ما يتعلق بالدين العام، فإن تسجيل فائض لا يعني تلقائياً أن الدولة استعادت قدرتها على الاقتراض أو أن مشكلة الاستدامة المالية قد حُلّت. فالبنك الدولي لا يزال يعتبر الدين العام اللبناني غير مستدام، فيما لم تبدأ مفاوضات إعادة هيكلته، وفق تقريره الصادر في آب 2026.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الأضرار البشرية والاقتصادية التي خلّفتها الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وما رافقها من نزوح وتعطّل للأعمال وتضرّر للأصول والبنية التحتية. فهذه التداعيات ترفع حاجات الإنفاق على الإغاثة وإعادة الإعمار، وتفرض اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الحفاظ على التوازن المالي من دون التضحية بالإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري، وهو ما لا تفعله الحكومة اللبنانية.

وعليه، فإن فائض الـ2.8 مليار دولار يستحق التدقيق والتحليل، لا الاكتفاء بالاحتفاء به. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسة المالية لا يتمثل فقط في أن تدخل إلى الخزينة أموال أكثر مما يخرج منها، بل في كيفية تحصيل هذه الإيرادات، وأوجه إنفاقها، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وإعادة بناء مؤسساتها.

لبنان، الذي يحتاج إلى إعادة إعمار اقتصاده وبنيته التحتية، واستعادة الثقة بنظامه المالي، وضمان الخدمات الأساسية لمواطنيه، لا يحتاج إلى فائض حسابي فحسب، بل إلى فائض يتحول إلى استثمار ونمو وفرص عمل وعدالة اجتماعية، وهذا ما لا تلتفت إليه الحكومة، للأسف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى