“لحس المبرد” بين الحكومة وموظفي الإدارة العامة… والتضخّم ثالثهما

الزيادات غير منصفة إقفال ثابت كل جمعة وتحركات مفتوحة حتى إقرار رواتب عادلة 

جوزف فرح – “الديار”

هل بتنا أمام نظرية «لحس المبرد» بين الحكومة وموظفي الإدارة العامة، والتضخّم ثالثهما؟ فمطالب الموظفين بالعيش الكريم تقابلها زيادات على الرواتب وبدل نقل لا يواكب الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات وكلفة المعيشة، في مشهد يتكرر منذ العام 2019، تاريخ الانهيار المالي والنقدي، حين فقدت الرواتب قيمتها الشرائية، ولم تعد تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وبين مطالب الموظفين وإجراءات الحكومة، يستمر التضخّم في التهام أي زيادة تُقرّ، فيما تتسع الهوة بين المداخيل والنفقات، ويجد موظفو الإدارة العامة أنفسهم أمام واقع معيشي يزداد صعوبة، وسط غياب معالجة جذرية تعيد الاعتبار إلى رواتبهم وتضمن استمرارية المرفق العام.

فمتى تعود الأمور إلى طبيعتها؟ ومتى تنتقل الدولة من سياسة الزيادات الظرفية إلى وضع خطة متكاملة لإنصاف موظفيها؟

رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة رائد حمادة يطالب، عبر «الديار»، الدولة بإنصاف موظفي الإدارة العامة الذين يعانون، بحسب تعبيره، من الظلم والإجحاف بحقوقهم، مؤكدا أن التحركات ستستمر أسبوعيا وفق المعطيات على الأرض، على أن يبقى يوم الجمعة من كل أسبوع يوم إقفال ثابت، فيما تبقى بقية أيام الأسبوع مفتوحة على التحرك تبعًا للتطورات.

ويقول حمادة: «إن تحرك رابطة موظفي الإدارة العامة بدأ منذ مطلع السنة، وبشكل مستقل عن سائر الروابط، سواء في قطاع التعليم أو المؤسسة العسكرية أو غيرهما. وقد عانينا الكثير طول هذه الفترة، إلى أن أقرت الدولة أخيرا في الموازنة ثلاثة رواتب إضافية مع بداية السنة، على أن نحصل على الرواتب الثلاثة المتبقية بحلول شهر آب».

ويضيف: «لكن هذه الزيادات تُحتسب على أساس الراتب الذي لا يزال، في المتوسط، أقل من مليوني ليرة لبنانية، بحيث إن المبلغ الذي نتقاضاه لا يتجاوز 50 دولارا. فهل يُعقل أن يكون هذا نصيب موظف في الإدارة العامة يعاني منذ العام 2019؟ ومتى ستضع الدولة خطة فعلية لإعادة الرواتب إلى مستوى عادل؟».

ويشدد على أن «الموظف يحتاج إلى راتب فعلي وحقيقي يمكّنه من الصمود والبقاء في وظيفته، بدلا من دفعه إلى الهجرة أو البحث عن فرص عمل أخرى».

دراسة مجلس الخدمة المدنية… والتضخّم يسبق الحلول

ألم يضع مجلس الخدمة المدنية دراسة لمعالجة هذا الملف؟

يرد حمادة: «المشكلة أن الغلاء والتضخّم يسابقان الدراسات، بحيث تصبح نتائجها غير مجدية عند الانتهاء منها، بسبب البطء في إنجازها. لذلك، المطلوب وضع خطة طوارئ تتفرغ لها اللجنة المختصة، على أن تنهي دراستها خلال شهر أو شهرين على أبعد تقدير».

ويتابع: «الدولة تملك جميع الأرقام والمعطيات، ولديها تصور واضح عن الموازنة والنفقات التي يمكن إعادة توزيعها أو تخصيصها لتحسين الرواتب. كما أن هناك مصاريف يمكن الاستغناء عنها، ومنها نفقات المشاركة في المؤتمرات الخارجية التي تسافر إليها وفود كبيرة، في وقت تعجز فيه الدولة عن تأمين الحد الأدنى من حقوق موظفيها».

10 ليترات بنزين بدل نقل… مطلب عاجل

ما هي مطالبكم الملحّة في المرحلة الراهنة؟

يجيب حمادة: «نطالب بصورة عاجلة بإقرار بدل نقل عادل، لأن ارتفاع أسعار المحروقات بات يفوق قدرة الموظفين على التحمل، خصوصا في ظل استمرار الأزمة السياسية والتوترات الإقليمية، وعدم وضوح الاتجاه الذي قد تسلكه أسعار الطاقة خلال المرحلة المقبلة».

ويضيف: «الدولة ثبّتت بدل النقل لموظفي الإدارة العامة عند 450 ألف ليرة عن كل يوم عمل، وهو مبلغ لم يعد منصفًا في ظل الأسعار الحالية. وفي المقابل، صدر قرار يقضي بمنح العاملين الخاضعين لقانون العمل بدل نقل يعادل خمسة ليترات بنزين يوميا، وهذا أمر جيد، لكن من حق موظف الإدارة العامة أيضا الحصول على بدل نقل يعادل عشرة ليترات بنزين، كما نطالب».

وعن الفارق بين مطلب موظفي الإدارة العامة وما أُقرّ للعاملين الخاضعين لقانون العمل، يوضح: «قد ينتقد البعض مطالبتنا بعشرة ليترات، في حين يحصل العاملون في القطاع الخاص على خمسة ليترات، لكن لا تجوز المقارنة بين أوضاع موظفي القطاعين. فموظف القطاع الخاص يتقاضى، في حالات كثيرة، راتبا أعلى ويتمتع بتعويضات إضافية، بينما يجد موظف الإدارة العامة نفسه مضطرا إلى الاستمرار في وظيفته براتب متدنٍّ لا يكفي لتغطية نفقات انتقاله إلى العمل».

لكن إذا كان القرار يمنح خمسة ليترات للعاملين الخاضعين لقانون العمل، فكيف يمكن تلبية مطلبكم بعشرة ليترات؟

يؤكد حمادة أن «القرار يقتصر على العاملين الخاضعين لقانون العمل، ولا يشمل موظفي الإدارة العامة الذين لا يزالون يتقاضون 450 ألف ليرة عن كل يوم عمل».

ويضيف: «إن الاعتمادات الاحتياطية المرصودة في الموازنة قادرة على تغطية الكلفة الناتجة من إقرار بدل نقل يعادل عشرة ليترات بنزين، وبالتالي فإن المسألة تحتاج إلى قرار حكومي ينصف الموظفين».

ستة رواتب إضافية… والقدرة الشرائية تتآكل

ألم تُقرّ الدولة ستة رواتب إضافية لموظفي الإدارة العامة؟

يجيب حمادة: «صحيح أن الدولة أقرت ستة رواتب إضافية موزعة على مدى سنة، لكننا لم نتقاضَ كامل هذه المبالغ بعد، ولا نزال نعيش على أمل الحصول عليها مع حلول السنة الجديدة».

وإذا استمر التضخّم في الارتفاع، هل ستعودون للمطالبة بزيادات تتجاوز الرواتب الستة؟

يقول: «المشكلة أن الأمور تتلاحق، وكل زيادة تُقرّ تفقد جزءا من قيمتها بفعل التضخّم وارتفاع الأسعار. فالراتب فقد قيمته بصورة كبيرة منذ الانهيار، ولم تُرفع الرواتب بما يعادل ستين ضعفا لتعويض هذا التراجع. وحتى مع احتساب الرواتب الإضافية، فإن الزيادة لا تصل، وفق حساباتنا، إلى أكثر من 25 ضعفا».

ويضيف: «هناك ظلم واضح بحق الموظف، والأمر يحتاج إلى دراسة جدية وشاملة، لا إلى معالجات جزئية لا تصمد أمام استمرار الغلاء».

إقفال كل جمعة… وبقية الأيام مفتوحة على التصعيد

هل الإضراب مستمر؟

يؤكد حمادة أن «يوم الجمعة من كل أسبوع سيبقى يوم إقفال ثابتا، إلى حين إقرار رواتب جديدة والبدء بوضع سلسلة جديدة للرتب والرواتب تعيد إلى الموظف جزءا من حقوقه المفقودة».

وماذا عن بقية أيام العمل؟

يجيب: «نحن مستمرون في الضغط لتحقيق مطالبنا، فيما تبقى التحركات خلال بقية أيام الأسبوع مرتبطة بالظروف والمعطيات على الأرض».

ويكشف حمادة عن اجتماع عُقد مع المدير العام لوزارة المالية جورج معراوي، قائلا: «لقد أبلغنا أنهم بدؤوا دراسة فعلية لإقرار بدل النقل بصورة عاجلة، ونحن نتعامل مع كلامه بثقة وجدية، ونأمل أن يُترجم سريعا إلى خطوات عملية».

ويضيف: «سنصدر بيانا خلال هذا الأسبوع نحدد فيه طبيعة التحركات المقبلة وشكلها، علماً أن بيانات الرابطة تصدر بصورة أسبوعية، والاتصالات لا تزال مستمرة مع الجهات المعنية».

ويختم حمادة بالقول: «أتمنى على الدولة ألا تهمل أبناءها العاملين في الإدارة العامة، فمن غير المقبول أن تمنح البعض رواتب خيالية، فيما تترك آخرين يعيشون على الفتات. لقد زادت الدولة رواتب فئات معينة، بينما بقي موظف الإدارة العامة يعاني الغبن والعوز والظلم. والمطلوب اليوم تحقيق العدالة بين الموظفين، وإعادة الاعتبار إلى الإدارة العامة التي لا يمكن أن تستمر وتؤدي دورها من دون تأمين الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للعاملين فيها».