بوادر قطيعة سياسية بعد الردود بين “التيار” والموسوي.. باسيل: لعبة المحاور قد تكلّفكم أنفسكم والداخل

كتب رئيس “التيار الوطني الحر “جبران باسيل في” الاخبار”: صحيح أن التاريخ يكتبه المنتصر، ولكن لا أحد يمكنه أن يزوّر وقائعه بالكامل لأن الحقيقة لا بدّ لها من أن تنتصر.

اليوم، وبعد مرور عشرين عاماً على وثيقة التفاهم، تبيّن أن القصة لم تكن يوماً مجرّد تفاهم بين حزبين، ولم تكن مع أو ضد حزب الله، بل كانت كيف نحمي لبنان من دون أن نخسر سيادته، وكيف نبني وحدتنا الوطنية من دون أن نخسر ذاتنا، وكيف نحصر السلاح والقرار باستراتيجية دفاعية للدولة وحدها من دون أن ننزلق إلى حرب أهلية؟

القصّة كانت أننا كنّا نرى الخطر التهديدي الآتي من الخارج متلازماً مع الخطر التقسيمي مُلوّحاً في الداخل، لذلك لم يكن قرارنا سياسياً مصلحياً، بل كان خياراً وطنياً وجودياً لنحافظ على لبنان، على وجودنا ودورنا فيه، وعلى خصائص جميع مكوّناته.

في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد سماحة السيد حسن نصر الله الحاضر دائماً في وجداننا، أرى مناسبةً لاستحضار الحِوارات العديدة والطويلة التي أجريناها معاً، بالعقل والقلب، وخاصةً الحوار الأخير الذي قد نكتب عنه يوماً، كما أجدها فرصة لأتخيّل حوارنا الآن، لو قُدّر له أن يبقى على قيد الحياة، لكان أعاننا طبعاً على تفادي الكثير من المُلِمّات.

في محاولته لإقناعي بالسير بمرشحه لرئاسة الجمهورية، في صيف 2022، كان الكلام صريحاً وعميقاً. قال لي: «تأخذون كل الضمانات التي تريدون». وكان جوابي سؤالاً وحيداً: «كيف نضمن بقاء لبنان؟».

كنا قد قلنا مراراً إن المقاومة لا يمكنها أن تعيش من دون الدولة، ولا يمكنها أن تحلّ مكان الدولة. التفاهم كان الجسر لكي تعبره المقاومة الى الدولة وليس لتعبر عليه فوق الدولة. التفاهم كان للبننة خيارات الحزب، فاللبنانيون احتضنوا المقاومة لأنها حرّرت الأرض ودافعت عن الوطن بمواجهة المعتدين عليه، ولكنّها لن تحتضن الحزب إذا ما فرض على الدولة وأبنائها خيارات سياسية لا يريدونها. لا ينفع أن تربحوا معركة عسكرية أو سياسية وتخسروا فكرة لبنان – فكرة الشراكة المتناصفة فيه.

بعد ذلك اللقاء، راح الفارق يتّسع أكثر بين التيار وحزب الله لناحية الأولويات: نحن أولويّتنا الدولة ومن بعدها تأتي المقاومة، ونقبل أن تكون المقاومة جزءاً من الدولة، ولكن تحت رعايتها وقراراتها اللبنانية.

أمّا هم فيريدون المقاومة وسلاحها أولاً وثانياً وثالثاً، وبعد ذلك تأتي الدولة.
بالطبع، أفهم وأعيش خوف أي أقليّة من عزلها وخنقها، ولا أتفهّم رعونة البعض في لبنان بزيادة مخاوفها عبر تهديدها، واستقوائهم بالخارج للقضاء عليها.

أنا أعرف أن فكر السيّد والحزب يتمحور حول أن التهديد قائم والضغوط كبيرة، ولا يأمنون لأيّ كان بتحمّلها، وها هي تجربتهم مع الحكم الحالي تثبت ذلك، كما أنه لا يمكنهم التعامل مع هذا السلاح كأنه ملف داخلي معزول عمّا يحصل في الإقليم، فهم بحاجة للمحور لحمايتهم، لأن من يطلب نزع سلاحهم ينوي قطع رؤوسهم بعد ذلك.

ولرفاق السيّد أقول: «لا تضيّعوا البوصلة ولا الهدف. لعبة المحاور قد تكلّفكم أنفسكم والداخل. لا تسمحوا بأن يكون لبنان ساحة للآخرين، بل اتركوه مساحة لأهله. السلاح ليس أكبر من الوطن. انتبهوا لئلا تخسروا الاثنين. لبنان بحاجة لكم ولنا جميعاً، ولا وحدة وطنية من دونكم، ولا معنى للبنان بغياب مكوّنكم».

وكتب عباس صباغ في” النهار”: يروي أحد النواب البارزين في “حزب الله” أنه في عام 2009 وبعد خسارة حليف أساسي للحزب الانتخابات النيابية، وظهور معادلة عدم توزير الراسبين في الانتخابات، يومها تمسك الحزب بتوزير حليفه وخاض معركة سياسية لأشهر الى أن كان له ما أراد.

تلك الرواية تأتي من ضمن سياق قراءة الوقائع السياسية اليوم، وكيف ابتعد بعض الحلفاء عن الحزب بعد تعرضه للاستهدافات الإسرائيلية الضخمة وغير المسبوقة.

لكن هل يسعى الحزب الى إعادة لم شمل حلفائه أم أن ذلك ليس على أجندته راهناً؟ تفيد معطيات “النهار” أن “حزب الله” لا يسعى الى تأليف إطار سياسي مشابه لما عرفته البلاد في مراحل مختلفة.

وتوضح تلك المعطيات أن “جولات الحزب على المرجعيات السياسية والحزبية والروحية في هذه المرحلة تأتي لتبادل وجهات النظر بشأن الأوضاع الحالية وخصوصاً في الجنوب وتداعيات العدوان، وكذلك رفض اتفاق الإطار والمفاوضات المباشرة. أما السبب الآخر فهو دعوة الأطراف الى المشاركة في إحياء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد نصر الله والسيد هاشم صفي الدين”. لكن ماذا عن حلفاء الحزب اليوم وهل من محاولة لإعادة وصل ما انقطع من خلال تنظيم “اللقاء الوطني الجامع” قريباً؟

لا يضع “حزب الله” جولاته على القوى السياسية في إطار السعي لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، ولكنه “يشيد بحلفاء تاريخيين تحدوا كل الضغوط بما فيها العقوبات الأميركية وظلوا ثابتين على قناعتهم بصواب خيار المقاومة، وما أكدوا عليه في الموضوع الوطني”، معتبراً ذلك “محل تقدير كبير من الحزب”.

لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث تحالفاً سياسياً كذلك الذي جمع “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” من خلال ورقة “تفاهم مار مخايل” بيد أن سياسة الطرفين فيها مقاربات متباعدة وخصوصاً أن التيار البرتقالي لا ينفك عن إعلان معارضته لحرب اسناد غزة وما جلبته من خسائر للبنان، وكذلك معارضته للحرب الأخيرة. لكن في الوقت نفسه يدعو التيار الى حوار داخلي بشأن سلاح المقاومة، ويرفض “اتفاق الاطار” لجهة ما تضمنه من ملحق لا يزال سرياً. أما حلفاء الحزب وأصدقاؤه من نواب وشخصيات ولاسيما منهم من الطائفة السنية، فإن غالبيتهم باتت مؤيدة لمقاربات لا يوافق عليها الحزب كحصر السلاح في كل لبنان، وضرورة امتلاك الدولة قراري الحرب والسلم .

وكتبت صونيا رزق في” الديار”: الاجواء السياسية ملبدّة بين التيار الوطني الحر وحزب الله وسقطت كل أساليب التفاهم بين التيار والحزب على خلفية التصريح المتلفز للنائب باسيل يوم الاحد الماضي، حين فجّر قنبلة سياسية لدى سؤاله عن رأيه بما قاله الشيخ نعيم قاسم عن انتصار حزب الله امام إسرائيل، فأجاب: «الحزب موجود لكنه مكحكح ومهدّر ومفلّس»..

هذه التصريح ووفق مصادر سياسية مؤيدة لحزب الله تأخر الرد عليه كثيرا، اذ كان من الاجدى ان يأتي الجواب على الفور، لكن مسؤول ملف الموارد والحدود في حزب الله نواف الموسوي اختار الرد القاسي بعد اسبوع على النائب باسيل، فحسمها في الامس واصفًا كلام باسيل بأنه «معيب وقليل حياء وقليل أدب وكلام سوء»، وقال: «نحنا منعرفك من وقت كنت صفر… ولا أحد يحب هذا الشخص في لبنان، فقط السيّد حسن نصر الله كان يتحمّله».

على الفور أصدر التيار الوطني الحر بيانًا هاجم فيه الموسوي متهمًا إياه «بقلة الادب وبإثارة النعرات»، ودعا حزب الله الى تجنّب الدخول في مشاكل إضافية مع اللبنانيين، وتحذيره من أن هذا السلوك يعمّق عزلة الحزب. كما أشار البيان الى أن غياب السيّد حسن نصرالله ترك فراغًا، ولو كان موجودا لجنّب الحزب العديد من الأخطاء.

الى ذلك وتعليقا على ما جرى بين الحليفين السابقين، وصفت مصادر حزب الله ما قاله باسيل في حديثه المتلفز والمعيب بحق مَن يضحي ويستشهد يومياً من اجل الارض، ورأت ان الوضع تخطى المحظور من قبل مَن اختار المواقف الشعبوية، علّها تعيد له جزءا بسيطا من شعبية فقدها ولن يستطيع استرجاعها. وأشارت الى ان باسيل نقل العلاقة مع الحزب الى مرحلة مختلفة كليًّا، وإلا لكان اختار عبارات لائقة خلال حديثه ولم يطلق تلك المواصفات التي قضت على العلاقة، واعتبرت ان رئيس التيار يريد إنهاء تلك العلاقة التي اتعبته وفق ما يقول في اجتماعاته الضيقة.

اما مصادر «التيار الوطني الحر» فقد أشارت الى ان ما قيل من قبل الموسوي لم يراعِ قواعد الآداب، ورأت من ناحية اخرى أن حزب الله بات مكشوفا في ملف السلاح ولا يبدي اي استعداد فعلي لتسليمه، مما يعني صعوبات كثيرة امام حصريته في يد الدولة، وهذا ما يضع الحزب اليوم في موقف مقلق جدا.

خلاصة ما جرى يؤكد ان التحالف من جديد بات صعب المنال، والثقة السياسية والشخصية بينهما فقدت، وتحوّل التفاهم القديم الى خصومة في المعلن عبر الشاشات والبيانات، بعد تراكم الخلافات التي بلغت ذروتها حين تحدث باسيل عن سلاح الحزب بأنه لم يقدّم شيئا للبنان.