
“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي
هل الوصول إلى عجز صفري في موازنة 2027 التي قدمتها وزارة المالية إلى الحكومة، تحقّق نتيجة زيادة الإنتاج والإيرادات الاقتصادية، أم نتيجة زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين؟ سؤال يستحق البحث عن إجابة عليه، في ظل ما يلمسه المواطن من التراجع المستمر في خدمات الدولة وتضاؤل الإنفاق الإجتماعي، بالرغم من أن اللبنانيين في زمن الحرب والنزوح.
بحسب الخبراء “الحكومة اللبنانية تمارس عجزا إنتقائيا، بمعنى أن أرقام النفقات والإيرادات تتساوى في حين أن المتأخرات تتراكم، والديون تتزايد والأجور مُجمدة والإنفاق الاجتماعي مُنكمش، بالرغم من تداعيات حرب 2024 و2026 على آلاف النازحين من الجنوب، وفي ظل إنهيار القدرة الشرائية لأغلب الشعب اللبناني”، جازمين بأن “العجز الصفري لا يعني تلقائياً أن الموازنة ممتازة. إذ يمكن الوصول إلى عجز صفري بطريقتين الأولى، هي زيادة الإيرادات عبر نمو الاقتصاد، تحسين الجباية، مكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، والطريقة الثانية: زيادة الضرائب والرسوم وخفض الإنفاق والاستثمار وهذا ما تطبقه الحكومة”.
يشدد الخبراء على أن “النتيجة الاقتصادية والاجتماعية بين الطريقتين مختلفة تماماً. فما يحصل حاليا هو أن الدولة تُحقق الإنضباط المالي، لكن على حساب غالبية اللبنانيين و هم من الفقراء وما بقي من الطبقة المتوسطة”.
كيف ذلك؟ يبلغ مجموع أرقام النفقات والإيرادات 6.87 مليارات دولار في موازنة 2027، أي بزيادة 14.2 بالمئة عن موازنة 2026 ، مع الاشارة إلى أن ارتفاع حجم الموازنة لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت تنفق أكثر فعلياً؛ فجزء من الزيادة قد يكون نتيجة ارتفاع الأسعار وكلفة الأجور والخدمات. و النقطة الاهم أن 75 بالمئة من الإيرادات هي ضرائب ورسوم غير مباشرة ستُجبى من المستهلكين وأصحاب المعاملات، من دون أي تمييز على أساس الدخل والثروة.
وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن المواطن يدفعها حين يشتري سلعة، ويستهلك خدمة، وينجز بمعاملة، ويستورد أو يتعامل مع نشاط تجاري. يدفع رسوماً مختلفة.بينما الضريبة المباشرة يمكن أن تكون أكثر ارتباطاً بقدرة الشخص على الدفع، مثل ضريبة الدخل أو الأرباح أو الثروة أو الأرباح الرأسمالية.
ولإعطاء مثل مُبسّط على مفاعيل الضرائب غير المباشرة على عموم الشعب اللبناني، لنفترض شخصاً دخله 500 دولار شهرياً وشخصاً آخر دخله 10,000 دولار. إذا فرضت الدولة ضريبة استهلاك واحدة على السلعة نفسها، يدفع الاثنان الضريبة نفسها عند شراء السلعة. لكن بالنسبة إلى صاحب الدخل المنخفض، قد تشكل الضريبة نسبة أكبر بكثير من دخله. لذلك توصف الضرائب الاستهلاكية وغير المباشرة غالباً بأنها أكثر عبئاً نسبياً على أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة. وهنا يمكن أن يتحول تحقيق العجز الصفري إلى سؤال اجتماعي هل حققت الدولة الانضباط المالي على حساب القدرة الشرائية للمواطن؟
بلغة الأرقام، فإن توزيع الإيرادات الضريبية وغير الضريبية في مشروع الموازنة يوضح الاعتماد الأكبر للدولة على الضرائب غير المباشرة (الاستهلاك) مقارنة بالضرائب المباشرة (الأرباح والثروة).
تفاصيل توزيع الإيرادات
• الرسوم الداخلية على السلع والخدمات (52.3 بالمئة): تشكل أكثر من نصف الإيرادات، وتأتي بشكل أساسي من الضريبة على القيمة المضافة (TVA) التي يتوقع أن تجبي منها الحكومة 2.3 مليار دولار (أكثر من ثلث إجمالي الإيرادات).
• ضريبة الدخل والأرباح ورؤوس الأموال (12.9بالمئة): إجمالي إيراداتها 889.4 مليون دولار. ومن هذا المبلغ، يسدد العمال والمستخدمون 374.3 مليون دولار كضريبة على الرواتب والأجور (أي أكثر من 42 بالمئة من مجمل ضريبة الدخل).
* الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية (10.9 بالمئة): تشمل الجمارك والرسوم على الاستيراد.
* حاصلات إدارات ومؤسسات عامة (10.8 بالمئة): وبخاصة قطاع الاتصالات.
* الإيرادات الأخرى (7.6 بالمئة): رسوم ومداخيل متفرقة.
* ضريبة على الأملاك (5.5 بالمئة): وتشمل الضرائب على العقارات والأنشطة العقارية.
وهذا يعني أن العبء الضريبي في الموازنة يقع على الاستهلاك، إذ تعتمد الدولة بشكل أساسي على الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة والجمارك) التي يتحملها المستهلك النهائي بغض النظر عن مستوى دخله. مُقابل تراجع الضريبة على الثروة والأرباح، إذ تُساهم الضرائب المباشرة على أرباح الشركات ورؤوس الأموال والأملاك، بنسب منخفضة نسبياً مقارنة بالضرائب المقتطعة من أجور العمال والموظفين.
كل ما تقدم يوصل إلى نتيجة مفادها أن سياسة التقشف التي تمارسها الحكومة ترتكز على الأجور – الاستثمار – الإعمار – النزوح. وهذا يعني أن الحكومة، لا تقوم بتقشف شامل ومتساوٍ في كل بنود الإنفاق، بل تختار قطاعات معينة لضبط الإنفاق فيها.
النفقات وتوزيعها
توزيع النفقات في مشروع موازنة 2027 ، يُظهر أن قطاعات الأمن والدفاع والنفقات المشتركة إستحوذت على 48.1بالمئة من الإنفاق العام(التي تشمل غالباً أجوراً، مخصصات، وتكاليف تشغيلية)، وزارة الدفاع: 19.5 بالمئة، النفقات المشتركة: 18.0 بالمئة، وزارة الداخلية والبلديات: 10.6 بالمئة، التربية: 10.5 بالمئة، الصحة: 8.4 بالمئة، الأشغال العامة والنقل: 3.7 بالمئة، دعم النازحين: 1.14 بالمئة وقطاعات أخرى: تشكل باقي النفقات نسبة 28.16 بالمئة.
شهدت النفقات زيادة إجمالية قدرها 855 مليون دولار مقارنة بموازنة 2026. إلا أن تخصيص هذه الزيادة يظهر أولويات الموازنة 9.1 بالمئة فقط موجهة لدعم النازحين و 0 بالمئة مخصصة لإعادة الأعمار. كما أشار مخطط الموازنة إلى تجميد تصحيح أجور العاملين في القطاع العام حتى عام 2030.
فكرة نيوز