جعجع يجلد العهد والحكومة… و”القوات” في قلب السلطة

“ليبانون ديبايت”

لم يكتفِ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في إطلالته الإعلامية الأخيرة بمواصلة انتقاد رئيس الجمهورية جوزيف عون، بل وسّع دائرة استهدافه السياسي لتشمل رئيس الحكومة نواف سلام أيضاً، متحدثاً عن عجز الدولة عن فرض سلطتها واستعادة القرار السيادي، ومشككاً بقدرة السلطة الحالية على ترجمة قراراتها إلى أفعال ملموسة على الأرض.

وكعادته، أطلّ جعجع من موقع الوصي على الجمهورية، مانحاً نفسه حق تقييم أداء العهد والحكومة وتحديد معايير بناء الدولة، وكأن الرجل يقف خارج السلطة لا في قلب الحياة السياسية اللبنانية منذ أكثر من عشرين عاماً. فالرجل الذي يتحدث اليوم بلغة المحاسبة والمساءلة، يتصرف وكأنه لم يكن جزءاً من المنظومة السياسية التي شاركت في إدارة البلاد منذ عام 2005 وحتى اليوم.

والمفارقة أن أكثر المتحمسين اليوم للحديث عن الدولة ومؤسساتها هو أحد أبرز الشركاء في التسويات التي أوصلت لبنان إلى واقعها الحالي. فجعجع الذي ينتقد ضعف الدولة وعدم تنفيذ القرارات، كان أحد مهندسي “اتفاق معراب” الذي أوصل حليف حزب الله يومها، الرئيس السابق ميشال عون، إلى رئاسة الجمهورية عام 2016، وقدم الاتفاق آنذاك على أنه المدخل إلى بناء الدولة وإعادة تصحيح الحياة السياسية.

فهل أصبح ذلك الاتفاق مجرد خطأ سياسي تاريخي؟ أم أن جعجع يحاول اليوم شطب مرحلة كاملة كان أحد أبرز صانعيها، والتصرف وكأن نتائجها لا تعنيه؟

ولم يكن جعجع بعيداً عن السلطة في أي مرحلة من المراحل. فقد شارك حزبه في الحكومات المتعاقبة، وجلس وزراؤه إلى جانب وزراء حزب الله حول طاولة مجلس الوزراء، كما شارك في التسويات السياسية الكبرى وفي إقرار قوانين انتخابية ساهمت في تكريس الواقع السياسي الذي يهاجمه اليوم.

وعندما يتحدث جعجع عن ضرورة مواجهة القوى التي تنازع الدولة سلطتها، وعلى رأسها حزب الله، يبرز سؤال بديهي: ماذا حققت “القوات اللبنانية” طوال السنوات الماضية لتحقيق هذا الهدف؟ وهل نجحت الاستراتيجية التي اعتمدتها منذ عام 2005 في تغيير موازين القوى أو في تعزيز مشروع الدولة الذي ترفعه شعاراً دائماً؟

الأخطر في خطاب جعجع أنه يتصرّف وكأنه زعيم معارضة محاصر، فيما الواقع يقول إنه شريك أساسي في السلطة الحالية. فهو لا يقف خارج الحكم بل في قلبه، عبر أكبر كتلة مسيحية في مجلس النواب وأربعة وزراء داخل الحكومة ومشاركة مباشرة في صناعة القرار السياسي. وبالتالي فإن أي إخفاق يتحدث عنه لا يمكن فصله عن مسؤوليته السياسية المباشرة.

وإذا كان مقتنعاً فعلاً بأن الحكومة عاجزة إلى هذا الحد، وأن أداءها لا يرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها لبنان، فلماذا لا ينسحب وزراؤه منها؟ ولماذا لا ينتقل إلى المعارضة بشكل واضح وصريح؟ أما البقاء في السلطة والاستفادة من مواقعها ونفوذها، بالتزامن مع مهاجمتها يومياً أمام الرأي العام، فهو سلوك سياسي يعكس ازدواجية يصعب تبريرها.

المشكلة الحقيقية أن جعجع يريد الجمع بين امتيازات الحكم ومكاسب المعارضة في آن واحد. يريد أن يكون شريكاً في السلطة عندما توزّع الحصص والمواقع والمكاسب، وأن يتحول إلى معارض شرس عندما تحين ساعة المحاسبة. يريد أن يكون داخل السلطة وخارجها في الوقت نفسه، وأن يحمل الآخرين مسؤولية أزمات كان جزءاً من المشهد السياسي الذي أنتجها.

لكن هذه المعادلة لم تعد تنطلي على أحد. فإما أن يكون شريكاً كاملاً ويتحمل مسؤوليته كاملة، وإما أن يخرج من السلطة ويجلس في صفوف المعارضة. أما سياسة الاستفادة من مزايا الحكم مع الاحتفاظ بخطاب المعارض الثوري، فهي ببساطة محاولة للجمع بين “جنة السلطة” وغنائم المعارضة في آن واحد.

وقبل أن يوزّع جعجع شهادات النجاح والفشل على العهد والحكومة، يبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيين جواباً عنه: ماذا حققت “القوات اللبنانية” بكل ما امتلكته من قوة نيابية ووزارية وشعبية منذ عام 2005؟ لأن من يقدّم نفسه اليوم قاضياً على تجربة الآخرين، لا يستطيع أن يتهرب من محاكمة تجربته هو أولاً.