
“ليبانون ديبايت”-سمر يموت
لم تعد التحديات الخطرة المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مجرّد “مزحة” بين المراهقين، بل تحوّلت أحيانًا إلى خطر حقيقي يهدّد حياتهم، بعدما تسبّبت بعض “الترندات” بإصابات خطيرة وحالات وفاة. ومن أبرزها “تحدي كسر الجمجمة” أو “Skullbreaker Challenge”، الذي يقوم على إسقاط أحد المشاركين أرضًا بشكل مفاجئ أثناء القفز، ما قد يؤدي إلى إصابات خطيرة في الرأس أو الرقبة. وقد أثار هذا التحدي تحذيرات واسعة من أطباء وخبراء، وسط تساؤلات عن الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع المراهقين إلى خوض تجارب قد تعرّض حياتهم للخطر.
وقد أثار هذا التحدي موجة تحذيرات واسعة من أطباء ومدارس وخبراء نفسيين واجتماعيين في عدد من الدول ومنها لبنان، بعدما تسبّب بإصابات متفاوتة الخطورة بين المراهقين، شملت ارتجاجات في الدماغ، وكسورًا في الرقبة والفك، وإصابات في العمود الفقري، فضلًا عن حالات فقدان وعي ونزيف داخلي.
تعتبر مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية، نظرًا لما تشهده من تغيّرات جسدية ونفسية وعصبية، وفي هذا السياق، تشير الأخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة ناديا شحرور لـ”ليبانون ديبايت”، إلى أنّه في مرحلة المراهقة ” لا يكون دماغ المراهق قد اكتمل نموّه بالكامل، أما القسم المرتبط بالعواطف والمكافأة في الدماغ، أي الـ”limbic system” أو الجهاز الحوفي، يكون أكثر نشاطًا خلال هذه المرحلة، ما يدفع المراهق إلى اتخاذ قراراته بناءً على العاطفة والحماسة. في المقابل، فإنّ الجزء المسؤول عن ضبط الاندفاع واتخاذ القرارات العقلانية، أي الـ “prefrontal cortex” أو القشرة الجبهية الأمامية، لا يكون مكتملاً أيضاً”.
هذا الأمر يُفسّر، برأي شحرور، لماذا يندفع المراهق وراء “الترندات” من دون التفكير الجدي بالنتائج أو المخاطر. فـ “القسم المسؤول عن كبح الاندفاع لا يزال في طور النمو، ما يجعل المراهق أكثر قابلية لخوض التجارب الخطرة بدافع الفضول أو الحماسة”. ولفتت إلى أنّ “حبّ التجربة والمغامرة يكون في ذروته خلال فترة المراهقة، وكثير من المراهقين يعتقدون أنّ الخطر “بعيد عنهم”، أو أنّ الأمور السيئة قد تحصل للآخرين لا لهم شخصيًا، لذلك يقلّ تقديرهم للمخاطر الحقيقية.” مشيرة إلى عامل أساسي آخر يحفّز للقيام بهذه التحديات، يتمثل بالرغبة في الانتماء إلى المجموعة، موضحةً أنّ المراهق غالبًا ما يشعر بالحاجة إلى أن يكون جزءًا من “group” الذي يشارك في “الترند”، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بما يُعرف بـ”peer pressure” أو ضغط الأصدقاء.
وعن دور مواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد شحرور أنّ “التكرار المستمر للمحتوى الخطير على المنصات الرقمية، يساهم في تحويله إلى أمر “طبيعي” أو مقبول نفسيًا”، لافتة الى أنه “عندما يرى المراهق “الترند” نفسه يتكرر باستمرار، يبدأ بالتعامل معه وكأنه شيء عادي يجب تجربته”.
غالبًا ما يبحث المراهق عن القبول الاجتماعي، ويقيس هذا القبول بعدد الـ likes والتعليقات والمتابعين، هنا تعتبر شحرور أنّ “هذه التفاعلات تمنحه شعورًا بالأهمية والانتماء، ما يدفعه أحيانًا إلى تقليد الترندات الخطرة للحصول على الاهتمام”. كما تلفت إلى تأثير المؤثرين الذين يقدّمون بعض السلوكيات الخطرة على أنها مُمتعة أو مُسلّية، ما يشجّع المراهقين على تقليدها، خاصة عندما ترتبط بشخصيات يتابعونها ويعتبرونها قدوة. وتتحدث أيضًا عن ظاهرة الـFOMO أو “الخوف من تفويت ما يفعله الآخرون”، موضحةً أنّ كثيرًا من المراهقين يشعرون بأنهم خارج المجموعة إذا لم يشاركوا في الترندات الرائجة، خصوصًا عندما تصبح حديث مواقع التواصل. وتضيف أنّ “أخطر ما في هذه الترندات هو أنها تُقدَّم غالبًا على أنها مجرد تسلية أو مزاح، فيما لا تُظهر النتائج الحقيقية والإصابات الخطيرة التي قد تنتج عنها، ما يجعل كثيرين يستهينون بعواقبها”.
تؤكد الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، أنّ التوعية تبقى العنصر الأساسي في مواجهة هذا النوع من “الترندات” الخطرة، معتبرةً أنّ المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الأهل، بل تشمل أيضًا المدارس ووسائل الإعلام والجهات الرسمية. وتوضح أنّ “التوعية الفعّالة لا تقوم فقط على المنع أو التخويف، بل على الحوار الواقعي والقريب من طريقة تفكير المراهقين، لأنّ المنع المباشر قد يدفع بعضهم إلى التحدي أو التجربة بدافع الفضول”.
بالمحصلة لا بدّ من تعليم المراهق التفكير النقدي تجاه ما يشاهده على مواقع التواصل، وعدم التعامل مع كل ما يُنشر على أنه حقيقي أو آمن.
فكرة نيوز