“لبنان في قلب الصفقة”… الخازن يحذّر: ما يُطبخ قد يقلب التوازنات

“ليبانون ديبايت”


في توقيت دقيق يتزامن مع تحولات إقليمية كبرى ومسارات تفاوض مفتوحة على احتمالات واسعة، فجّر النائب فريد هيكل الخازن نقاشًا سياسيًا حساسًا عبر دعوة عاجلة إلى اجتماع مسيحي موسّع، محذرًا مما وصفه بـ”ما يُهمس به سرًا” في الكواليس السياسية. دعوة حملت في طياتها إشارات إلى قلق متصاعد من تسويات قد تُطبخ بعيدًا عن الداخل اللبناني، وقد تنعكس مباشرة على توازنات النظام وصيغة الشراكة الوطنية.

الخازن، وفي تغريدة أثارت تفاعلاً واسعًا، دعا إلى اجتماع مسيحي فوري يضم القيادات والحكماء، بهدف تشكيل لجنة متابعة على غرار “الجبهة اللبنانية”، لمواكبة التطورات وضمان حضور فاعل في أي تسوية مقبلة، والدفاع عن الحقوق الوطنية. هذه الدعوة فتحت الباب أمام تساؤلات متعددة: ما الذي يُحاك فعلاً في الكواليس؟ وهل لبنان مقبل على إعادة صياغة لنظامه السياسي؟ وما مدى قدرة هذا التحرك على التأثير في مسار الأحداث؟

في هذه المقابلة، يجيب النائب فريد هيكل الخازن عن خلفيات دعوته، ويكشف هواجسه من المرحلة المقبلة، كما يطرح رؤيته لكيفية حماية التوازنات الداخلية في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.

1. ما الذي دفعكم إلى إطلاق دعوة عاجلة لاجتماع مسيحي في هذا التوقيت تحديدًا، وما هي “التطورات الراهنة” التي تستدعي هذا التحرّك السريع؟

نحن نعيش مرحلة مصيرية ودقيقة جدًا، يدرك فيها الجميع أن المفاوضات الإيرانية–الأميركية، نتيجة الحرب الدائرة من جهة، والمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة من جهة أخرى، ترسم ملامح المرحلة المقبلة. وندرك تمامًا أن موقع إسرائيل في هذه المفاوضات أقوى بكثير من الموقع اللبناني، نظرًا إلى وجود راعٍ أميركي يميل إلى التعاطف مع المطالب الإسرائيلية أكثر مما يعطي الأولوية للمطالب اللبنانية.

اليوم، ما يهمّ الولايات المتحدة وإسرائيل في ما يخصّ لبنان هو مسألة تسليم سلاح حزب الله أو حصره بيد الدولة، أو نزعه، مهما كانت التسمية المعتمدة.

في ظل هذه الخارطة المعقّدة، يجري البحث عن آلية تتيح تسليم سلاح حزب الله للدولة، وهو ما يشكّل أولوية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين في الداخل.

لكن التخوّف الأساسي اليوم يتمثّل في أن اللاعبين الكبار لا يضعون صيغة النظام السياسي اللبناني الحالي وتوازناته ضمن أولوياتهم؛ فلا الإدارة الأميركية، ولا إسرائيل، ولا إيران تعطي هذا الملف الاهتمام الكافي.

ربما الجهة الوحيدة التي تتمسّك بالصيغة اللبنانية ودور المسيحيين فيها هي المملكة العربية السعودية، من خلال حرصها على اتفاق الطائف، وهذا أمر مهم، لكنه غير كافٍ لضمان التوازن الحالي المسيحي – الاسلامي ودور كل شريحة في الداخل اللبناني.

فقد كان لبنان يومًا مستشفى الشرق، وجامعته، ومدرسته، وكان للمسيحيين دور ريادي وثقافي كبير في العالم العربي، وساهموا بشكل أساسي في النهضة العربية إلا أن هذا الدور تراجع الى حدّ ما.

اليوم، ما تبقّى هو حضورهم ونفوذهم ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية والإدارة السياسية. ومن هنا، يكمن الخوف من أن تكون أي تسوية كبرى على حساب التوازنات الداخلية اللبنانية، سواء من حيث الصلاحيات الدستورية أو المواقع المتقدمة في السلطة. بالتالي، نحن معرّضون لأن نكون ضحية أي اتفاق كبير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

فعلى سبيل المثال، في حال وافق المرشد الإيراني وحزب الله على تسليم السلاح مقابل تعزيز نفوذ الطائفة الشيعية، وهي طائفة نكنّ لها كل الاحترام والتقدير، وهي مكوّن أساسي في البلاد، وطلبا في المقابل صلاحيات أوسع ومواقع أكبر داخل الدولة اللبنانية، فإن ذلك سيطرح سؤالًا جوهريًا: على حساب من سيكون هذا التعويض؟ وهل سيعترض الجانب الأميركي على ذلك؟ على الأرجح لا. وهل سترفض إسرائيل؟ من غير المتوقع أن يشكّل ذلك أولوية لديها. قد تكون المملكة العربية السعودية، والفاتيكان، من الجهات التي قد تعترض انطلاقًا من تمسّكها باتفاق الطائف. لكن يبقى السؤال: هل تستطيع هذه الأطراف مواجهة تفاهم أميركي–إيراني–إسرائيلي محتمل؟

هذه هي الهواجس المشروعة التي تفرض علينا التفكير بجدية في كيفية حماية الصيغة اللبنانية والتوازنات الطائفية داخلها في أي تسوية مقبلة.

2. عندما أشرتم إلى “ما يُهمس به سرًّا”، هل تتحدثون عن معطيات أو تسويات غير معلنة، وهل ترتبط بمسارات داخلية أو إقليمية قد تؤثر على موقع المسيحيين؟

وصلتني أحاديث تُثار في الكواليس والصالونات السياسية لدى بعض الجهات اللبنانية، كما كان لي اتصال مع أحد السفراء لدولة معنيّة بالشأن اللبناني، حيث جرى التداول بفكرة إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد في لبنان. ومن هنا، برزت الحاجة إلى الدعوة لاجتماع مسيحي طارئ ليصار الى توسيعه الى مستوى الوطن.

مع العلم أنّه معروف عني انفتاحي وإيماني بأنّ لبنان، من دون صيغة العيش المشترك، ومن دون التعددية الطائفية، وفي ظلّ غياب الوحدة الوطنية، يصبح معرّضًا للزوال. لذلك، فإنّ أي خلل في التوازنات الداخلية، سواء على المستوى المسيحي أو السني أو الشيعي أو الدرزي، يهدّد الصيغة اللبنانية بأكملها.

مشكلتنا نحن اليوم أنّه لم يعد بإمكاننا تقديم المزيد من التنازلات، بعدما وصلنا إلى القاع، ليس فقط على مستوى اتفاق الطائف، بل أكثر من ذلك في الممارسة. وبالتالي، فإن أي تنازل إضافي، أو خسارة إن صح التعبير، سيعرّض الوجود والكيان برمّته للخطر.

من هنا، لا بد من التعالي عن كل الجراح، ووضع مصلحة لبنان والصيغة اللبنانية فوق كل الاعتبارات.

أستذكر في هذا السياق مواقف تاريخية، حين تصافح الرئيس كميل شمعون مع الشيخ بشير الجميل بعد أحداث ٧ تموز متعاليًا عن الجراح حفاظًا على وحدة الموقف، كما أستذكر الرئيس سليمان فرنجية عندما قال كلمته الشهيرة “عفا الله عمّا مضى”، متجاوزًا آلامه.

فمهما كانت الخلافات والتباينات السياسية والتنافس، فهي لا ترقى إلى ما كانت عليه في مراحل سابقة، ومع ذلك كان القادة، أمثال كميل شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل، يتعالون عن جراحاتهم وخلافاتهم ويلتقون من أجل مصلحة لبنان.

وعليه، المطلوب اليوم من القيادات، التي لا نشك في حرصها ووطنيتها، ومن الحكماء وكافة النخب، أن تلتقي وتجتمع لوضع تصور واضح وبرنامج عمل متكامل لكيفية مواكبة التطورات التي يشهدها لبنان والمنطقة، والتي ستنعكس حتمًا على الوضع الداخلي اللبناني.

3 . كيف تتصورون دور هذا الاجتماع، ومن بعده اللجنة المقترحة، في التأثير على أي تسوية مقبلة، وما الضمانات لعدم تهميش الدور المسيحي؟

لا يمكننا بمفردنا تحديد دور هذا الاجتماع أو مآلاته. ما قمنا به هو إطلاق دعوة بمثابة مبادرة أو صرخة، على أن تُستكمل عبر التشاور مع القيادات والكنيسة والنخب والحكماء، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية وغبطة البطريرك الراعي ورؤساء الاحزاب. وبنتيجة هذه المشاورات، ينبغي التوصل إلى تصور واضح يُترجم بلقاءات دورية، وصولًا إلى إنشاء غرفة عمليات دائمة ومفتوحة، نظرًا إلى أن المتغيرات السياسية تتسارع بوتيرة وبديناميكية قوية. فالحروب والميدان يتبدّلان يوميًا، وكل تبدّل يفرز معطيات سياسية جديدة. من هنا، تبرز الحاجة إلى إطار تنسيقي دائم يعمل على حماية لبنان وصيغة العيش المشترك، التي تتطلّب بدورها توازنًا داخليًا ودورًا رياديًا أساسيًا.

في الواقع، لا توجد ضمانات حقيقية فالمعادلة دولية واقليمية وكبيرة جدا. فالضمانة الوحيدة تتمثل في تمسّك المملكة العربية السعودية ودول الخليج باتفاق الطائف. أما الاشارة الايجابية الثانية فهي داخلية وتكمن في حرص اللبنانيين على الحفاظ على الصيغة السياسية التي نتجت عن اتفاق الطائف.

إلا أن هذا المسار يفتقر إلى موقف موحّد، وإلى تنسيق داخلي فعّال يمكن أن يتوسّع لاحقًا ليشمل تنسيقًا وطنيًا أوسع، بما يؤسّس لضمانة حقيقية. أما في غياب ذلك، فلا يبدو أنّ اللاعبين الدوليين يولون هذا الملف الاولوية المطلوبة.

4. كيف ستعمل هذه اللجنة عمليًا: هل ستكون إطارًا تنسيقيًا، أم منصة قرار، أم جهة ضغط في مسار التفاوض؟

يجب أن تُشكّل هذه اللجنة غرفة عمليات دائمة تتابع يوميًا مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كما تواكب ملف التفاوض اللبناني- الإسرائيلي بشكل دائم. وتضع اللجنة برنامج عمل يتمحور حول إطلاق شبكة اتصالات واسعة مع مواقع النفوذ الخارجية والداخلية، والتواصل مع الدول الصديقة للبنان التي يهمّها الحفاظ على التوازنات الداخلية اللبنانية، كالفاتيكان وفرنسا وغيرها. كما تعمل على تفعيل دور الانتشار واللوبيهات اللبنانية في الدول المؤثرة، لا سيما الولايات المتحدة، بهدف حثّ الادارة الاميركية على عدم القبول بأي تسوية تأتي على حساب الصيغة اللبنانية الحالية.

بالتوازي، يتم وضع برنامج عمل داخلي عبر شبكة اتصالات انفتاحية داخلية ليصار الى اتخاذ موقف وطني جامع من هذه المسألة المصيرية.

5. ما هي الأولويات والملفات التي يفترض أن تضعها هذه اللجنة لضمان “الحضور الفاعل” والدفاع عن الحقوق الوطنية؟

الأولوية القصوى تتمثل في الحفاظ على موقع كل طائفة داخل الدولة اللبنانية، والذي يحافظ على المناصفة الاسلامية المسيحية، وينعكس من خلال مجموعة من المواقع الدستورية والإدارية الأساسية، وفي مقدمتها المواقع الرئاسية والوزارية والنيابية والدبلوماسية، والقضائية والعسكرية.

هذه المواقع لا تعبّر فقط عن تمثيل سياسي، بل تشكّل جزءًا من التوازن البنيوي للنظام اللبناني، وأي مساس بها ينعكس مباشرة على صيغة الشراكة الوطنية.

6. من هي القوى والمرجعيات السياسية والروحية التي تعوّلون على مشاركتها، وهل هناك تجاوب أولي مع هذه الدعوة؟

لا يزال من المبكر إعطاء تقييم نهائي لمستوى التجاوب، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بوجود اهتمام إيجابي في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، وهو ما يشكّل نقطة انطلاق يمكن البناء عليها.

الرهان الأساسي يبقى على انخراط الجزء الاكبر من القوى السياسية، بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، لأن ذلك سيغزز من فعالية المبادرة وقدرتها على تحقيق أهدافها. كما أن دور رئاسة الجمهورية والمرجعيات الروحية، وفي مقدمتها الكنيسة المارونية والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، أساسي في توفير الغطاء الجامع لهذا المسار. إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال أهمية إشراك النخب الفكرية والاقتصادية والاغترابية، لما تمتلكه من تأثير وقدرة على المساهمة في صياغة رؤية متكاملة، وكذلك على مستوى التواصل مع الخارج.

7. هل تعكس هذه المبادرة قلقًا فعليًا من تغييب المسيحيين عن مسار القرار السياسي، وما الخطوات العملية التي تقترحونها لتفادي ذلك؟

تعكس هذه المبادرة قلقًا حقيقيًا ومبررًا في ظل التحولات الكبرى الجارية، حيث يُخشى من تهميش الدور الوطني لأي من الطوائف في أي تسوية مقبلة، خاصة في ظل غياب موقف موحّد ورؤيا واحدة. ولتفادي ذلك، تبرز مجموعة من الخطوات العملية اهمها توحيد الموقف المسيحي ضمن رؤية واضحة، وتعزيز التنسيق بين القوى السياسية والمرجعيات الروحية، والانفتاح على باقي المكونات اللبنانية ومدّ جسور التعاون معها، والتمسك باتفاق الطائف كمرجعية أساسية لتنظيم التوازنات، وتفعيل الحضور الدولي من خلال علاقات الانتشار اللبناني. في الخلاصة، إنّ حماية الصيغة اللبنانية هي جزء لا يتجزأ من حماية لبنان، وهي مسؤولية وطنية تتطلّب تكاتف الجميع.