
ليبانون ديبايت” – محمد المدني
في قصر بعبدا، لم يعد بالإمكان تغليف المواقف بعبارات دبلوماسية ناعمة. ما برز في اللقاءات الأخيرة يعكس واقعاً أكثر حدّة: رئيس الجمهورية أمام مشهد يراه ينزلق بسرعة نحو ما هو أخطر، فيما الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على الإمساك بالقرار.
بحسب المعطيات، لم يُخفِ الرئيس جوزيف عون انزعاجه العميق من المسار الذي وصل إليه لبنان. الحديث لم يعد عن إدارة أزمة، بل عن خطر حقيقي بأن يُدفع لبنان إلى مرحلة تُفرض فيها عليه شروط قاسية، بعد أن تكون الوقائع الميدانية قد سبقت السياسة. هاجس الرئيس واضح وهو “هل نصل إلى لحظة نقبل فيها بالتفاوض بعدما تكون الأرض قد استُبيحت، والتوازنات قد اختلّت، والقرار لم يعد بأيدينا؟”
في هذا السياق، بدا أن صبر رئيس الجمهورية بدأ ينفد. فالمسألة، كما يراها، لم تعد تحتمل ازدواجية القرار ولا ترف المزايدات. هناك انزعاج صريح من واقع أن قرار السلم والحرب لا يُدار بالكامل ضمن مؤسسات الدولة، وأن لبنان يُزجّ في مواجهات كبرى من دون أن يكون للدولة القول الفصل فيها. وهذا، في جوهره، يضعف موقع لبنان ويحوّله إلى ساحة بدل أن يكون دولة.
الانزعاج لم يتوقف عند هذا الحد. فقد عبّر الرئيس، وفق ما نُقل، عن امتعاض واضح من بعض القوى السياسية والإعلامية التي ترفع منسوب الخطاب التصعيدي، وكأنها تدير معركة وهمية بالكلمات، فيما لبنان يدفع الثمن على الأرض. هذا النوع من الخطاب، بدل أن يحصّن الداخل، يسرّع في استنزافه ويقود إلى تضييق الخيارات أمام الدولة.
الأخطر في قراءة رئيس الجمهورية هو شعوره بأن الفرص تضيع تباعاً. فكل يوم يمرّ من دون قرار واضح، يقرّب لبنان أكثر من لحظة فرض الشروط عليه. لم يعد هناك ترف الانتظار، ولا إمكانية الرهان على الوقت. التأخير، في حساباته، لم يعد حيادياً، بل بات كلفة إضافية يدفعها لبنان سياسياً وميدانياً.
ورغم هذا التشخيص القاسي، لا يبدو أن الرئيس يتجه نحو تفجير داخلي، بل يحاول، حتى اللحظة، ضبط الإيقاع ومنع الانهيار الشامل. لكنه في المقابل يوجّه رسالة واضحة للجميع، وهي أنّ الاستمرار في هذا المسار يعني أن لبنان قد يجد نفسه أمام خيارات لم يشارك في صنعها، بل فُرضت عليه نتيجة العجز والتردد.
في الخلاصة، ما يقوله رئيس الجمهورية بين السطور أخطر مما يُقال في العلن، لبنان يقترب من لحظة الحقيقة. إما استعادة القرار إلى داخل الدولة، وإما الاستمرار في التفلت، بما قد يقود إلى خسارة ما تبقى من قدرة على المبادرة. وعندها، لن يكون السؤال كيف نفاوض، بل ماذا بقي لنفاوض عليه.
فكرة نيوز