“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي
بعد ثلاث محاولات “ملغومة” لتعديل قانون السرية المصرفية، في حكومات الرئيسين حسان دياب ونجيب ميقاتي والمجلس النيابي السابق، أقر مجلس الوزراء في حكومة الرئيس نواف سلام مشروع قانون تعديل السرية المصرفية في 27 آذار الماضي كبرهان على نية الحكومة الجدية في السير بالإصلاحات المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي تمهيدًا لتوقيع الاتفاق معه. تعدّ هذه الخطوة جيدة لكنها غير مكتملة، إذ كان من الأجدى، برأي المراقبين، إلغاء السرية المصرفية بدلًا من تعديلها، إذا أردنا فعلًا الكشف عن مكامن الفساد قبل الأزمة وخلالها وبعدها. لكنهم، في الوقت نفسه، يصنفونها كخطوة أولى في مسار الخروج من الأزمة الطويلة، والأهم، برأيهم، هو إصدار المراسيم التطبيقية بعد إقرار القانون، كي لا يبقى حبرًا على ورق.
نصّ مشروع القانون على تعديل الفقرتين (هـ) و(و) من المادة 7 من القانون المتعلق بسرية المصارف الصادر عام 1956، والمادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر بتاريخ 1/8/1963، المعدلة بموجب القانون 306 الصادر في 28/10/2022، وذلك بعد تعديل المادة 3 منه (السطر التاسع) وفقًا لما يلي: “… مع تطبيق أثر رجعي لمدة 10 سنوات من تاريخ صدور هذا القانون”، بدلًا من “مع تطبيق بأثر رجعي إلى تاريخ صدور القانون رقم 306 تاريخ 28/10/2022 … خطيًا كل مهمة”. وسيُحال هذا المشروع إلى مجلس النواب.
محاولات الالتفاف عمرها 5 سنوات! أولى محاولات الحكومة والمجلس النيابي للالتفاف على مطلب تعديل السرية المصرفية كانت في أيار 2020، حيث أقرّ البرلمان اقتراح قانون “تعديل أحكام السرية المصرفية”، وحصر صلاحية رفع السرية في “هيئة التحقيق الخاصة” لدى مصرف لبنان المركزي، التي كان يرأسها حينها حاكم المصرف رياض سلامة. وفي حزيران 2020، رفض رئيس الجمهورية السابق ميشال عون التوقيع على مرسوم القانون، وأعاده إلى لجنة المال والموازنة في البرلمان، طالبًا منح النيابات العامة والقضاء صلاحية رفع السرية المصرفية أيضًا.
في تموز 2022، أُقر القانون للمرة الثانية، بعد إدخال تعديلات كثيرة عليه استجابة لمشروع قانون قدمته حكومة نجيب ميقاتي في آذار 2022 في إطار التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وقد منح القضاء صلاحية الولوج إلى السرية المصرفية في قضايا الإثراء غير المشروع والغش الانتخابي، لكنه، وفقًا لمراقبين، احتوى على العديد من الثغرات التي قد تُستغل للتهرب من رفع السرية. وبعد إقرار القانون، تسربت ملاحظات من صندوق النقد الدولي عليه، وأبرزها تكريس احتكار هيئة التحقيق الخاصة، وتجاهل مرجعية النيابات العامة برفع السرية، إضافة إلى استبعاد الهيئات القضائية من الحصول على المعلومات دون المرور بهيئة التحقيق الخاصة. عندها، ردّ الرئيس عون القانون، مطالبًا بتعديله.
ثم أقرّه البرلمان للمرة الثالثة بصيغته النهائية في تشرين الأول 2022، وكان مطابقًا بنسبة كبيرة لما طلبه صندوق النقد، إلى أن تم تعديله بصورة نهائية مؤخرًا.
أبو الزور: رفع السرية المصرفية باب للخروج من اللائحة الرمادية توضح المحامية دينا أبو الزور (عضو رابطة المودعين) لموقع “ليبانون ديبايت” أن “من شروط صندوق النقد خلال المفاوضات مع لبنان تعديل قانون السرية المصرفية، علمًا أن التعبير الأصح هو إلغاء قانون السرية المصرفية، لأننا في مرحلة يجب أن نكشف فيها عن الإجراءات المالية التي حصلت في السنوات الماضية”. وتعتبر أن “هذا التعديل الذي جرى مؤخرًا حدد مهلة زمنية تبدأ من 2022 إلى اليوم، ولم يعد بمفعول رجعي إلى عام 2019، وهي الفترة التي شهدت تهريب الأموال إلى الخارج. وبالتالي، مشروع القانون هو تعديل قانوني يراعي إجراءات رفع السرية المصرفية من تاريخ نشره، وكل من يطاله هذا القانون عليه الالتزام به”.
وتضيف: “نحن في حالة استثنائية، وما يجب أن يحصل هو رفع السرية المصرفية بشكل كامل، لأن لبنان لم يعد يستفيد من هذا القانون بالشكل الذي وُضع على أساسه، أي لجذب الأموال. اليوم، نحن في وضع مختلف ولم نعد قادرين على التغطية على الفساد”. وتشدد على أن “لبنان مصنّف ضمن اللائحة الرمادية، أي أن هناك شبهات تبييض أموال وتمويل إرهاب تحوم حوله. ولمعرفة كيفية تنفيذ هذه العمليات، يجب رفع السرية المصرفية لمحاربة هذه التجاوزات، إذ لا يمكن أن يتم ذلك بشكل جزئي وانتقائي”.
وتوضح أنه “إذا أردنا إجراء بحث معمّق حول كل الحوالات المالية منذ عام 2019، فمن المفترض أن يكون هناك رفع مطلق للسرية المصرفية. لكن، بغض النظر عن هذا الرأي القانوني الذي نحبذه، نعتبر أن تعديل هذا القانون هو خطوة أولى نحو كشف الفساد الذي حصل”، مشيرة إلى أنه “حتى لو لم يغطي كامل الفترة التي رافقت الانهيار المالي والاقتصادي، إلا أنه قد يمهّد لتعديل آخر يشمل الفترة الزمنية التي سبقت الأزمة وخلالها، لأن الفساد هو حلقة مترابطة ودائمة، ومن يمارسه لا يقوم به لمرة واحدة بل بشكل مستمر. وفي حال إدانته خلال فترة معينة، فهذا سيسمح بكشف سلسلة تجاوزاته بالتسلسل”.
وتختم: “هذا القانون وحده لا يكفي لإعادة الودائع، بل يجب السير بتدقيق جنائي لمعرفة ما حصل في المصارف، وفي مصرف لبنان المركزي، قبل الأزمة وخلالها، ولمعرفة حجم الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف”.
التيني: رفع السرية يجب أن يكون تامًا لإجراء المحاسبة من جهتها، ترى المحامية الدكتورة جوديت التيني أن “تعديل القانون رقم 306/2022 هو مطلب من صندوق النقد الدولي، لأن الصندوق لم يكن راضيًا تمامًا عن مضمونه، لذلك أعدّت الحكومة مشروع التعديل”. وتشرح لموقع “ليبانون ديبايت” أن “أهم ما يتضمنه هذا التعديل هو أن يكون رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون المفترض صدوره، في حين أن النص السابق كان يرفع السرية المصرفية بأثر رجعي إلى تاريخ صدور القانون 306 في 28/10/2022”.
وتضيف: “العودة إلى الوراء لعشر سنوات أمر جيد، لا سيما أنه يشمل مرحلة 17 تشرين 2019، ولو أنني أرى أن رفع السرية المصرفية يجب أن يكون مطلقًا وتامًا، بعيدًا عن أي مهل، لإجراء محاسبة حقيقية وكاملة. ورفع السرية المصرفية، وفقًا للنص، سيطال كل من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، وأي طرف يُكلّف بمهام تدقيق أو رقابة من قبل أي منهما”، لافتة إلى أن “ذلك يشمل رفع السرية المصرفية عن الحسابات الدائنة أو المدينة، داخل وخارج الميزانية، وعن أي سجلات ومستندات ومعلومات عائدة إلى شخص معنوي أو حقيقي يتعامل مع أي مصرف أو مؤسسة”.
وتختم: “نشير أخيرًا إلى أن عدم إصدار النصوص التطبيقية للقانون 306/2022 حتى اليوم شكّل دليلًا على نية المسؤولين في عدم تطبيق هذا القانون وإجراء المحاسبة”.